إبراهيم المصري
--------------
والقَمْطَةُ هي الإيشارب، تعقده المرأةُ على رأسِها، لكن فيروز ستشكُّ ـ ستعلِّقُ في القَمْطَةِ قمراً أزرقَ من حقلِ الزَّنبق. وإذ تبدو الصورةُ رعويةً ريفيةً في أغنية فيروز "عنبية" وفي أغانٍ كثيرةٍ أخرى، فإنَّنا سنبقى مأخوذين بهذا السِّحرِ الذي يمسُّنا من صوتِها، ومن أغانيها التي كُتِبَت بحساسيةٍ مُلهِمة، ليس في العودةِ إلى الطبيعةِ فقط، حيث الماءُ الجاري بصوتِ فيروز، وإنَّما كذلك في "عيوننا إليكِ ترحلُ كلَّ يوم" وإن كانت تلك أغنيةً عن زهرةِ المدائن ـ القدس، فماذا نقول عن اغترابِ الإنسانِ في وحدتِه "نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني"
بوسعنا أن نسترسل إلى ما لا نهاية، في الإسناد الوجداني الذي وفَّره صوتُ فيروز لأعمارنا، بدءاً من "الحلوة دي قامت تعجن في الفجرية" إلى "فيه قهوة ع المفرق" وفيروز في كل ذلك تحلِّقُ بجناحيها على الزمن، وكأنَّها تعبرُ من جيلٍ إلى جيلٍ بالرسالةِ المواسيةِ من "بعدك على بالي يا قمر الحلوين" إلى "المسيح قام من بين الأموات ووطأ الموتَ بالموتِ ووهبَ الحياةَ لَّلذين في القبور"
ما ليس بوسعنا أن نقولَه، أنَّ فيروز "لبنانية فقط"، إنَّها نحن العرب منذ أن بدأت "نهاد رزق وديع حداد" عام 1947 الغناء في كورس الإذاعة اللبنانية، وكان عمرها إثني عشرَ عاماً وحتى اليوم، إذ ترافقنا صباحاً ومساءً وفي "سكن الليل" وفي النداءِ المتعثِّر عن سيارةٍ معطَّلة في مسرحية "ميس الريم".. "هالسيارة مش عم تمشي، بدنا حدا يدفشها دفشة".. أليسَ هذا ما نحن فيه حتى اليوم كذلك، مُعطَّلين في مصائرنا الشخصيةِ وفي مصائرِ أوطاننا، وكأنَّنا كنَّا ولا نزال نلوذُ بصوتِ فيروز يطمئنُنا على الوصولِ يوماً ما بسلامٍ إلى ميس الريم.
وإذ جاءَ زمنُ الفيسبوك، ليربطَ صوتَ فيروز بكتابٍ وفنجانِ قهوة، فإنَّ ذلك كان من المددِ الذي لا يزال متدفقاً من عالمِ فيروز الغنائي الذي لا يمكن الإحاطةُ به، إلَّا بالضغطِ على القلب، حيث كلُّ شيءٍ هنا، الألم والحب والجمال والدنيا والدين والوطن والبيدر والثورات المغدورة والتحول المستحيل إلى حياةٍ نراها ناصعةً في صوتِ فيروز الناصع، وإن كانت صورها الجبلية والريفية والرعوية قد زالت أمامَ قبحٍ يستفحلُ منذ عشرات السنين، ويجرفنا معه إلى أسفٍ مُمِضٍّ يلوي أعناقنا إلى الخلف مرددِّين "سلِّملي عليه"
وفيما كنَّا نحلمُ كانت فيروز تبسطُ لنا الكثيرَ من الأحلام "شط اسكندرية يا شط الهوى" ولأنَّني أعيشُ في الإسكندرية، فبوسعي أن أقول لقد فسد هذا الحلم، فلم يعد شط اسكندرية للهوى، وإنَّما للكافيهات والنوادي القبيحةِ التي تحجبُ البحرَ عن العاشقين وعن سواهم، وكأنَّ الاقتصاد في بلادنا لم يكن غير تجريفٍ لكلِّ ما يجعلنا بشراً، ويحولنا إلى زبائن خدماتٍ رديئة، يقدمها بشرٌ متأففون مثلنا من مصائرِهم وحيواتِهم.
لكننا نعودُ إلى بيوتنا ونسمع فيروز، وكأنَّنا هذه المرَّة نلوذ بغابةٍ افتراضية، تمنحُ السلامَ والسكينةَ والعذوبةَ لفاقدي الإحساسِ بالأمل، وإنَّ فيروز المولودة يوم 21 نوفمبر عام 1935 ملاكٌ حارس، حيَّةٌ في عمرها الذي ندعو الله أن يطول، أو في غنائها الذي يعطي ليومنا معنى "يجعل صباحك صباح الخير يا اسطى عطية" بامتدادِ الأغنية من سيد درويش إلى فيروز، وبفنون الغناءِ والموسيقى التي كانت في زمن النهضةِ العربية قوةَ دفعٍ هائلة، قبل أن ينحط الغناءُ وتصدقُ فيه مقولة ابن خلدون، عن أن انحطاط الحضارة يبدأ بانحطاط الغناء، وإن أخذنا هذا الكلام على محمل الجد، فإنَّ الغناء كذلك يزدهر بازدهار الحضارة، وهو الأمر الذي كان في الحضارةِ العربيةِ الإسلامية، في حواضرها العظيمة، من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة إلى القيروان إلى قرطبة وغرناطة، إلى الأندلس التي تقرنها فيروز بالعشق في موشح لسان الدين بن الخطيب "جادك الغيثُ إذا الغيثُ همى يا زمانَ الوصلِ في الأندلسِ"
إنَّ فيروز ذاكرةٌ حيَّة، قيامةٌ مؤجلةٌ بانتظارِ بعثِ المسيح، أملٌ في بدايةِ اليوم بكتابٍ وفنجانِ قهوة، أي بالمعرفةِ والمزاجِ الصباحي، وإن كانت لبنانية أو فينيقية أو مسيحية، فإنَّ نهاد رزق وديع حداد ـ فيروز تخصُّنا جميعاً، منبثقة من الماء والجبل والطين، من لبنان ومصر والشام والعراق، أي من المراكز الحضارية العربية، التي كانت في البدايةِ والنهايةِ هي الموجِّهَ الأكبرَ للحضارةِ الإنسانية على مدار قرونٍ طويلة، ومن تلك القرونِ الطويلة تطلُّ فيروز بالقَمْطَةِ العنبيةِ وتغنِّي:
وقالتلو بإيدي كتبت القصيدة
بِوْراق المحبة وبعنييَّ.

0 تعليقات