شاكر الأنباري
،ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــت
صدرت هذه الرواية قبل عشر سنوات عن قصور الثقافة المصرية، بترجمة سامي الحاج. العراقي المولود في بغداد والمقيم حاليا في السويد. وترجمها من اللغة الكردية إلى العربية. والمترجم ينشر كتاباته الأدبية باللغتين العربية والكردية منذ عام 1985، ومن ترجماته إلى الكردية: رواية " شجرة الرمان" ليشار كمال، و"القرية" لمحمد سليم سواري، وغير ذلك من أعمال. رواية الكاتب الكردي صبري سليفاني هذه، رواية إشكالية، تطرح أسئلة عديدة وعميقة. ويطرح الاسئلة تلك نصف المجتمع، أي النساء في مجتمعات شرقية، إسلامية. وكما هو معروف، فمن دون كل المجتمعات البشرية على هذه الأرض ظلت للمرأة في تلك المجتمعات حصة رهيبة من الاضطهاد، والقمع، والإلغاء.
تجري أحداث هذه الرواية في مدينة دهوك. وهي مدينة الكاتب صبري السليفاني المولود في قضاء زاخو. ودهوك تقع إلى الغرب من إقليم كردستان العراق. وينبغي القول إن هناك روايات كردية كثيرة مكتوبة باللغة العربية، خاصة في سورية. وكذلك العراق. ولعل من رواد هذا النمط هو زهدي الداوودي العراقي الكردي المولود في كركوك، وسليم بركات السوري المولود في القامشلي. لكن الأغلبية من الكتاب الكرد السوريين تكتب باللغة العربية نتيجة لعوامل تاريخية وسياسية. بينما نال إقليم كردستان العراق حق الكتابة باللغة الأم منذ السبعينيات. لذا فإن الرواية كردية اللغة تنتشر في العراق أكثر مما تنتشر في سورية.
تبدأ أحداث هذه الرواية حين تبلغ مريم ستا وثلاثين سنة، مما يجعلها تقوم بجردة دقيقة لحياتها الماضية. تعود لتتذكر ماضيها منذ النشأة وحتى هذا التاريخ الذي يصادف عيد ميلادها. كانت لغة السرد على لسان مريم، بضمير الأنا، وهي فنانة تشكيلية تخاطب صديقتها المغتربة نارين التي استطاعت الهروب من جحيم المدينة قبل سنوات طويلة إلى إحدى البلدان الاسكندنافية. وتعرفت عليها مريم في زيارة من زياراتها إلى مدينتها. وهنا استخدم الكاتب شخصية نارين المغتربة العائدة كمحاور لمريم، لتبرير بوحها فنيا على مدار الرواية. ويجد القارئ نفسه في مدينة دهوك، وهي مدينة جميلة تحيطها الجبال. ومن أبرز معالمها، كما بينته الرواية، مستشفى آزادي، وبورصة المدينة، والجبال المحيطة، وأزقتها، وأسواقها، ومعارضها الفنية، وجوامعها، وبناياتها. هذا إضافة إلى تاريخها غير المادي باعتبارها عانت من الحروب التي مرت بالعراق وتناحر القوى الكردية، والهزات الإقليمية في المنطقة.
تروي الفنانة التشكيلية مريم تفاصيل حياتها، وهواجسها، ومشاريعها، ومخاوفها، في مدينة دهوك منذ ولادتها، مرورا بالتحولات التي أصابت عائلتها، أو المدينة ذاتها. ولعل أهم تحول حدث لها حين ماتت أمها حليمة وهي صغيرة، ثم زواج أبيها من امرأة ثانية لعوب اسمها منجول، ولدت له ذكورا. ثم جاء التحول الجذري الثاني في حياتها حين قتل والدها في بدايات الحرب العراقية الإيرانية على أحد قواطع الجبهة الجنوبية. سردت لنا مريم كيف كانت تعيش تحت رحمة زوجة الأب، وكيف تعرضت للاغتصاب في سن الثالثة عشرة من قبل دجال اسمه محمد ميري يستخدم الدين والطقوس السحرية والشعوذة للوصول إلى غايته في الوجاهة الاجتماعية، والتقرب من النساء. وكان هذا الوحش جارا لبيت بطلة الرواية. تحبل من الرجل ثم تعيش معاناتها الكبرى حين تكتشف الفرق بين الواجهة الاجتماعية والحقيقة، اضطهاد المرأة من قبل الرجل، خاصة جسديا، والفرق بين القول الاجتماعي والمجاملات، وحقيقة الأشخاص في الواقع. بعد الاسقاط وتفاعلاته، تبدأ اهتماماتها بالألوان والرسم، لتتدرج في تجربتها الابداعية حتى بلوغ مرحلة إقامة المعارض الفنية في مدينتها.
تعرّفنا مريم على نماذج رجالية ثلاثة مروا في حياتها كمراهقة في مدينة كردية محافظة، خاضعة لأهواء كثيرة. الشيوعي ويدعى إسلام، والبيشمركة هزار، والمتدين هاوار. ولكل منهم قصة في التعامل معها، أي مع المرأة بشكل عام. البيشمركة مدعي الوطنية يعاملها كما لو أنها مصدر لذة فقط، وقد أثرى بعد استقرار الأوضاع في كردستان العراق، وأصبح تاجرا يمتلك المال والقصور. والشيوعي تكشّف عن طلاء، في القشرة فقط يدّعي الشيوعية أما في الجوهر فهو ذاته الوفي للتقاليد، والتخلف في التعامل مع العذرية، أو قيمة المرأة كإنسان في المجتمع بشكل عام.
أما المتدين ويلقبونه بالحاج هجار، فهو رغم دماثته، وصدقه، ووسامته، إلا أنه لم يشكل نموذجا للخلاص، من وجهة نظر مريم على الأقل. كان يريدها أن تمحو كل ما تعلمته من قيم حضارية، وتحررية، كي تلتزم بالقيم الدينية كالحجاب، وأداء الفرائض، والحياة بطريقة إسلامية متزمتة. وهو الأمر الذي لم تعد مريم بقادرة عليه بعد تجربتها الحياتية، والإبداعية في الفن. يدفعها اليأس من التأقلم مع المجتمع، وخيبتها من كل الحلول المطروحة، لتبدأ في محاولة ثابتة للهجرة إلى أوربا. تحاول شراء جواز سفر مزور من بورصة دهوك، وحدث ذلك في التسعينيات من القرن الماضي. ثم تلتقي بالمصور الذي سيلتقط لها صورا للجواز، لكن الأقدار تسير في طريق آخر.
كرمانج، وهذا هو اسم صاحب محل التصوير، يقع في حبها. وتتولد علاقة روحية بينه وبين مريم. علاقة تبعث الفرح والتفاؤل وتلغي فكرة السفر لديها. كانت المفاجأة حين يعترف لها كرمانج بأنه فاقد للذكورة، إذ تعرض لإطلاق نار قبل سنوات في الاقتتال الكردي الكردي. ولم يعد نافعا كزوج. لذلك تظل أسئلة الرواية معلقة حتى اللحظة الأخيرة. الحل الشيوعي، والكوردايتي، والاسلامي، ليست حلولا لمجتمعات ترزح تحت ثقل قرون من التخلف. والانفتاح الجديد الذي مثله كرمانج، وقد عاد من مهجره ليبدأ حياة جديدة في مدينته بعد تغيرات جوهرية في الظروف، لم يكن قادرا على إنتاج جيل جديد.
وتظل الأسئلة معلقة أمام القارئ، أمام الوعي الجديد، في خضم ما يضطرم من متغيرات كونية على الكرة الأرضية. وهي محنة لا مدينة دهوك الكردية فقط، ولا إقليم كردستان، بل عموم المجتمعات الشرقية التي فشلت في اللحاق بركب الحضارة العالمية التي تقوم على مداميك ثابتة. حرية المرأة. ضمان حقوق الانسان في التعبير والعيش والعمل والاعتقاد. القانون. المساواة في العيش. وغير ذلك من أساسيات للبشرية كلها. وهي قيم ما زالت بعيدة عن مجتمعاتنا الشرقية الموبوءة بالسحر، والخرافات، والتقاليد العتيقة التي تعود إلى العصور ما قبل الصناعية.

0 تعليقات