كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

صلاح عبد الصبور يكتب: ليلة في بيت فيروز



يوسف القعيد

في سنة 1961 كتب صلاح عبد الصبور ـ وهو من هو ـ مقالاً عن فيروز، نشر في مجلة روزاليوسف. عندما كان صلاح عبد الصبور يعمل محرراً أدبياً بها. وعند قراءته الآن تتبدى كل ملامح صلاح عبد الصبور الشاعر الكبير حتى وهو يمارس الكتابة الصحفية، عندما زار فيروز كان معه صلاح جاهين، قال ثلاث كلمات في وصفها تلخص مشروع فيروز الغنائي كله.


لنقرأ كتابات الزمن الجميل الذي لم يترك لنا سوى أن نتحسر عليه، كتب صلاح عبد الصبور:

– أنا من عشاق فيروز. إن صوتها من أخصب الأصوات. ميزته أنك حين تسمعه تحس أن كل كلمة من كلمات الأغنية التي تغنيها تحمل معانيها كاملة.

صوت فيروز مثل كلمات الشعراء، فالشعراء يستعملون الكلمة بجسدها وروحها، الكلمة الكاملة بذراعيها وصدرها وعينيها، وكل روحها المحلقة الطائرة، وتصبح الكلمة كأنها كائن بشري كامل.

ولذلك فإن صوت فيروز هو أحسن الأصوات التي تغني الشعر، وأي مستمع لا يستطيع أن يتصور صباح أو شادية مثلاً وهما تغنيان قصيدة شعرية، ولكنه يسمع فيروز تغني القصائد الشعرية البليغة، ويطرب وينسجم. وحين كانت الطائرة تحلق بي، متجهة إلى دمشق، كنت أستعجل الزمن لأني كنت أعلم أن فيروز ستغني لآخر ليلة على مسرح معرض دمشق، وكان في نيتي أن أضع حقائبي في الفندق، ثم أطير بالتاكسي إلى فيروز.

ولكن الوقت لم يكن معي. وصلت الطائرة دمشق في العاشرة مساء، واستغرقت إجراءات الجوازات والجمرك وحجز الفندق مدة طويلة، وحين طرت بالتاكسي إلى فيروز، كانت فيروز قد طارت إلى لبنان. وطرت وراء فيروز إلى لبنان. بعد أن انتهى مهرجان الشعر فى دمشق، لأستمع إلى صوتها. صوت شاعرة الغناء بعد أن استمعت خمسة أيام متوالية، بمعدل خمس ساعات يومياً، إلى مختلف أنواع الشعر وأحجامه وأوزانه.

وفي المساء كنا، الزميل صلاح جاهين والنائب اللبناني أمين الحافظ وزوجته ليلى عسيران، وأنا في الطريق إلى بكفيا، حيث تقيم فيروز.

وطول الطريق الذي يخلع القلب صعوداً وهبوطاً، وانحداراً وارتفاعاً، كنت أترنم في سري بقصيدة شوقي الخالدة في بكفيا، تلك القصيدة المليئة بالحياة والرقة، التي يحكي فيها شوقي قصة فتاة جميلة من بكفيا، غازلها على الطريق، فامتنعت عن مجاوبته العاطفية بالعاطفة، فلجأ إلى السلاح القديم الذي لا يغيب أثره، واتجه بغزله إلى فتاة أخرى، فالتهب قلب الجميلة بالغيرة واستسلمت بالمشاعر.


وكنت أريد أن أسأل فيروز، لماذا لا تغني هذه القصيدة إكراماً لبكفيا التي تقيم فيها، وشوقي الذي خلدها و«للتكتيك» الغرامي الخالد الذي ربط بين قلبي شوقي وفتاة «بكفيا» الفاتنة.

وبعد ساعة من رعب الطريق، وقفنا أمام بيت فيروز. ونزلنا واستقبلنا الأخوان رحباني منصور وعاصي. وأنا إلى الآن لا أعرف من فيهما منصور ومن عاصي، رغم أنني قضيت في بيتهما ساعات طويلة، لكن ما حيلتي!.

إن أحدهما يبدأ القصيدة والثاني يتممها، وأحدهما يدندن بالنغم، ثم يتوقف ليلقف الآخر النغمة الطائرة، ثم يدندن. وصافحتنا فيروز، وهي تتمتم، وجلسنا وفيروز ليست جميلة.

إن جسمها صغير نحيل مثل جسم نجاة الصغيرة، ولكن وجه نجاة أجمل. عينا نجاة حلوتان هادئتان، وعينا فيروز قاسيتان كأنهما محملقتان دائماً.

ولكن الفن وحده جمال ليس بعده جمال، وقلت لفيروز من قلبي:

– لقد حققت أمنية من أمنياتي حين زرتك ورأيتك يا بنت الجبل في قلعتك بأعلى الجبل.

وبدا لي أن فيروز لم تفهم كلماتي، وتمتمت بكلمة شكر لم أتبينها، ومن جانبي جاءني صوت أحد الأخوين رحباني، وهو يرد على كلماتي بكلمات أكثر منها بلاغة!. وقلت لفيروز:

– لقد كنت طوال الطريق أترنم بقصيدة شوقي «وأغن أكحل من مها بكفيه» وأتساءل: لماذا لا تغنيها؟.

وقالت فيروز:

– شوقي! ونظرت إلى أحد الأخوين رحباني، وكأنها تسأله من شوقي؟.

ومن جانبي جاءني صوت أحد الأخوين وهو يقول:

– شوقي.. نعم.. لقد كان شوقي يعشق لبنان وأهلها، وكان يزورها كل عام.

ثم التفت إلى فيروز، وقامت فيروز لتحتفي بالضيوف.

وفاض علينا كرم الجبل، وقامت فيروز بدور «ست البيت» ولكنها ست البيت الشرقية، التي تضع المائدة، وترص الأطباق والشوك والسكاكين، ولكنها لا تجلس على المائدة.

ثلاث ساعات لم تنطق فيها فيروز إلا ثلاث كلمات، ونحن جميعاً، صلاح جاهين والأخوان رحباني وأنا، ننشد الشعر بالدور، ونتحدث عن الموسيقى والغناء، ونتناقش في موسيقى سيد درويش وعبد الوهاب، وصوت وديع الصافي، وصوت عبد الحليم، وهي شاعرة الغناء – لا تتكلم.

ومن وقت لآخر، كان صوت طبق يرفع من على المائدة، أو سكين تسقط على الأرض يرن كأنه نوع من الموسيقى التصويرية لحديثنا المحلق الطائر. ونلتفت ناحية الصوت. فإذا هي فيروز! وخرجنا إلى الطرق، وصورة فيروز في وجداني شاحبة. شاحبة جداً.

كان الأفضل لي ولخيالي، أن أظل أحس بها نغماً طائراً، وأن أتخيلها حديثاً عذباً، وظلاً رقيقاً ووجهاً ملائكياً.

ولكني عدت أسأل نفسي، لماذا لا نكتفي من الفنان بفنه فقط، ونحاول أن نستمتع بشخصيته أيضاً؟ هل لا بد أن يكون الشاعر العظيم متحدثاْ عظيماً؟ هل لا بد أن يكون القصاص الكبير الذي تفيض قصصه بالفهم للطبيعة البشرية والإدراك للأحاسيس والانفعالات؟ هل لا بد لهذا الإنسان حين يتحدث أن يكون غنياً بالفهم ولإدراك مثله حين يكتب؟.

إن الفنان الكبير يشق طريقاً في الحياة بفنه، فلماذا نطالبه أيضاً بأن يشق طريقه في المجتمع بخفة ظله، وجمال وقع شخصيته على النفس؟.

كنت عندئذ أفكر في عبد الوهاب الذي لا يشبع الإنسان من حديثه. وعبد الحليم الذي يعانق جميع من يعرفهم، ويوهمهم أنهم أعز أصدقائه، وأم كلثوم التي كانت شخصيتها الطاغية سياج فنها المعجز.

وكنت أفكر أيضاً في أنصاف الفنانين وأرباعهم، وأولئك المتسكعين على طريق الفن، الذين تستهويك شخصياتهم، وما فيهم من بريق، ويعيشون حياة فنية حقيقية، فيتحدثون ويناقشون، وينقدون، ويطلقون ذقونهم، ويسهرون للصباح، وكل شيء فيهم باهر العين. حتى ألوان ملابسهم، ومع ذلك فليس في عروقهم إلا بضع قطرات ضئيلة من الفن.

إنها صورة مختلفة من الفنانين، وأنصافهم، الذين تختلف شخصياتهم، ويختلف ما فى هذه الشخصيات عن حياة ودفء بشري من واحد لآخر، وكلهم يدفعونك لأن تلقي على نفسك هذا السؤال:

– أيهما أجمل.. الإنسان.. أم الفنان؟.

كنت في صف الفنان. لا الإنسان لأني أغتفر للفنان أن يكون عصبياً أو متوتراً أو سيئ الخلق أو مرير الطعم، ولكني لا أغتفر له أن يكون بلا طعم. وخفت أن أكون قد ظلمت فيروز، وملت على صلاح جاهين أسأله:

– ما رأيك في فيروز؟.

وقال صلاح:

– والله مش عارف.

جريدة عمان/ 2012

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية