الذي يتأمل لوحات الفنانة التشكيلية الفلسطينية هبة زاقوت يفاجأ بالتناقض الهائل بين قسوة الحياة التى حكم عليها، كما على أهل غزة جميعاً، بأن تعيشها، حياة الاقتلاع واللجوء والحصار والحرب والحضور الدائم فيها لشبح الموت، وبين عالم لوحاتها الوادع الهادئ المطمئن الزاخر بالألوان وبهائها. لا أثر في لوحاتها لمآسي الإقلاع اللجوء والحصار والحروب المتناسلة والرعب وشبح الموت الذي يحوم على الدوام فوق غزة ويرافق كل من سكانها كظله. وهذا ما كانت هبة زاقوت تعيشه بالفعل. وكانت قد كتبت على صفحتها: "في كل بقاع العالم يأتي الليل للراحة والهدوء والنوم، إلا في غزة ننتظر فيه الموت في كل لحظة." لكنها، وهي المولودة في غزة ولم تعرف سواها، اختارت، في مواجهة القسوة وشبح الموت المخيم أن تلجأ إلى أحلام الذاكرة الفلسطينية وإلى جمال مدنها وبلداتها وأمكنتها المتخيلة، فجعلت من ذلك عالم لوحاتها ألوانها. هكذا كتبت هبة زاقوت:" ولدت وانا أحمل معي كلمة لاجئة لم أرى بلدتي الأصلية اسدود لكن كانت عمتي علياء تجمعنا وتحكي لنا عن أرض جدي وبيارات البرتقال ، عن موسم الحصاد وبيت مليان حب وحياة ، كنت أرى الشوق بعيون عمتي وهي تروي لنا حكايات عن أيام البلاد وأمنيات بعودة قريبة." وكأنما كانت تقول في كل واحدة من لوحاتها: ربما استطعتم اقتلاعنا وقد تستطيعون قتلنا، لكنكم لن تستطيعوا محو ذاكرنا التي، بانتظار أن نعود، سنتناقلها جيلا بعد جيل.
قبل خمسة أيام، بينما كانت القذائف تنهال على غزة، لم تجد هبة زاقوت إلا الله تناديه، فكتبت على صفحتها : "اللهم نستودعك قلوبً مفجوعة بالفراق اللهم اجبر كسر قلوبنا وأجعلنا لقضائك وقدرك صابرين، يا رب كن معنا وقوّنا وزدنا صبرً وآجرنا على صبرنا، اللهم اربط على قلوبنا فإنها لا تقوى ولا تستند الا بك."
مساء أول أمس ماتت هبة زاقوت، إبنة التسعة وثلاثين عاماً، هي وأولادها وأسرتها تحت انقاض بيتها، وتركت لمن سينجون من أطفال غزة ألوان الحلم الفلسطيني رسالة ووصية.
لكن، وكما كانت قد كتبت قبل أيام، "ما ذنبنا وقد صادف ربيع أعمارنا خريف العالم؟"





0 تعليقات