بارول سيغال | ترجمة: ملاك أشرف
تشارك روز في إدارة معهد العلوم الإنسانية في بيركبيك في جامعة لندن، هي كاتبةٌ وناقدة نسوية ذات توجه تحليلي نفسي، إنها مؤثرةٌ بشكلٍ فريد داخل الأكاديمية وخارجها. استكشفت منذُ الثمانينيات مجموعة من الموضوعات: الحداثة، الأمومة والشرق الأوسط، لكن الحداد كانَ منذُ فترةٍ طويلة موضوعا رئيسيا في عملها، وبشكلٍ أكثر تأكيدا في كتابها الجديد «الطاعون: الموت الحي في عصرنا»، مجموعة من المقالات جُمعت أثناء الإغلاق بسبب فيروس كورونا ونُضمت حولَ قراءات لألبير كامو، سيغموند فرويد وسيمون ويل، رُبما يكون مُجلدها مُرعبا ومُروعا ومع ذلكَ فهو كتابٌ مُفعمٌ بالحيوية على نحوٍ غريبٍ ومليء بالاحتمالات.
كان عمل روز مؤرقا، على ما يبدو أن تصنيف «أدب المطاردة» مُناسب لكتاباتها، كما أشارت في مجموعة مقالاتها حولَ عدم القدرة على النوم، جذبت اهتماما واسعا لأولِ مرةٍ من خلال روايتها «مطاردة سيلفيا بلاث» إنها قراءةٌ نسوية للشاعرة التي رفضت اختزالها في مجموعةٍ من الأعراض أو استخراج القصائد من أجلِ السيرة الذاتية. أصرت روز على اتساع نطاق خيال بلاث العنيف والمُحرر، أعادت التخيلات المشوهة المسقطة على شِعرها إلى القارئ، بعدها واصلت اتباع هذا النهج في دراسة النساء المُتنوعات مثل مارلين مونرو وروزا لوكسمبورغ، عنونت مجموعة مقالاتها بـ(النساء في الأوقات المُظلمة)، حيث تتبعت أعمال التحدي الإبداعي التي تغاضوا عنها.
قالت لي: «لقد وقعتُ في حُبِ هؤلاء النساء، وهي الروابط بين حقرتهن الداخلية وبصيرتهن السياسية!» لَمْ تخجل من المتاعب قط، بل تصارعت مع ملكية بلاث، وكما قال الناس الكثيرون إنها وضعت إسرائيل نفسها على أريكة المُحللين في كتابها «مسألة صهيون» الصادر عام 2005، من وجهة نظر روز لا أحد بريء، وعمل الحداد لا يكتمل أبدا.
ولدت جيليان روز في خريف عام 1947، بعدَ عشرين شهرا من ولادة شقيقتها جاكلين، أمست جيليان جدية؛ لذا قالت روز: «إنها كانت تقرأ أفلاطون بينما كنتُ جالسة على الأرجوحة، استمع إلى موسيقى البوب، أفكر في أن أبدو جميلة وأجذب أولادا». أخبرتني روز أن أمنية طفولتها الكبرى كانت أن تتفوق على اختها «الجادة والمُتألمة» وعليهِ غدا التنافس مُثمرا.
باتت جيليان أقل تسامحا ولا يزال غضبها من والديها المُنفصلين مُشتعلا في مُذكراتها التأملية «عمل الحُب»، كتبت أن تربيتها دمرت قدرتها على تحمل المشاعر المشحونة والمتناقضة تجاه الشخص نفسه، تحاول روز من جانبها الحفاظ على إحساس عذب ومُتناوب بالتعاطف مع المتلاعبين في الدراما النفسية جميعهم، تقول إن والدتها كانت لديها حالة من الغضب والحقد ضد والديها، اللذين حرموها من التعليم، لم يكن هُناك تعاطف ولا فهم تاريخي وفوق كُل شيء لا توجد حتى رواية حقيقية لهذهِ القصة. إن روز نفسها ليست راوية فصيحة لمثل هذهِ القصص المُريبة، تمضي الكاتبة جانيت مالكولم في كتابها عن سيلفيا بلاث (المرأة الصامتة) واصفة لقاءها مع الناقدة روز، تمدحها على مضضٍ: «كان أسلوبها براقا، لَم يكن ودودا جدا ولا حادا جدا، بل بالطريقة التي يجب أن يتصرفَ بِها الناس».
تعتقد مالكولم أن روز حسبت بنفسها وبعناية مقدار ما يجب عليها أن تقدمه، أضحت الوردة التي التقيت بها حذرة بالقدر نفسه، حيث قامت بتطويق أجزاء كبيرة من تاريخ عائلتها وحياتها الشخصية، لكن حتى عندما رفضت تقديم تفاصيل مُعينة، فقد وجهتني بشكلٍ مُرتجلٍ إلى الأشخاص الذين سيقدمونها إلى أفراد الأسرة أو يومياتهم. وصلنا إلى الكنيسة مرورا بتلة مُنخفضة ومنعطف طفيف، تحتضن الكنيسة حلقة من الأشجار العالية، بالإضافة إلى أربعة مقاعد مُتقابلة، يشغل كُل منها رجل مسن وعلبة المشروب الخاصة بهِ، وينادي عبرَ الفناء نحوَ المقاعد الأُخرى. أوضحت أن أسفل التل توجد المقبرة التي دُفنت فيها جيليان، في حين يرقد رماد والدتها بجوارها. قالت وهي تثبت الخريطة على سبيل الاستعارة: «إنهُ الشارع الذي أعيشُ فيه». درست في أوائل عشرينياتها الأدب في جامعة السوربون، اكتشفت فرويد وحصلت على وظيفة في متجر إيف سان لوران – الفتاة الإنكليزية التي يعشقها العملاء. إن العيش في فرنسا والعيش باللغة الفرنسية، علمها كيفية الترجمة لا مُحال: وهذا يعني أن الترجمة لا تتعلق بالتكافؤ، إنما بإعادة تقديم العالم. لم تكن اللغة الفرنسية مُجرد تحرر من مُعاناة ما كانَ يحدث في المنزل، فضلا عن كونها طريقة تفكير أكثر مرونة، غموضا وإبداعا. لقد توقفت: «دعينا نعبر، وسأخبركِ ما خياراتنا». وتابعت قائلة: «يمكننا إما أن نعود من الطريق القصير، أو أن نقطع الطريق الأطول قليلا. الآن عليكِ أن تختاري؛ هل هُناك المشي عبر أشجار الليمون أو..؟»، هذا هو ما يشبه المشي مع جاكلين روز، وهذا أيضا ما يشبه التفكير مع جاكلين روز، بأسلوبٍ فكري صقلتهُ علاقتها بفرويد. نعثر على العديد من الطرق التي يمكن للمرء أن يسلكها، ولكُل منها خسائره ومكاسبه لا شك.
تقتبس روز في كتابها «الطاعون»، مُلاحظة والتر بنيامين في مقالته التي كتبها عام 1936 تحت عنوان (الراوي)، مفادها «أنه لم يكن هُناك منزل أوغرفة لم يمت فيها أي شخص ولو مرة واحدة». تنظر مثلهُ بارتيابٍ إلى الجهود المبذولة لإنكار مشهد الموت، وعليه كتبت روز: «لا يمكن في حالة الوباء نفي الموت إلى ضواحي الحياة البعيدة».
ما تسميه «أعجوبة بلاث» على سبيل المثال، ينطوي على اتخاذ الشاعرة مسارات مُتعددة: «في مساحة بيت من الشعر، يمكنها أن تهاجم الشخصيات الأبوية كما تعلمون، الآباء والأزواج والأطباء.. وتندب أو تحتفل بتعلقها العاطفي بهم في الوقت ذاته. حينما تكتب روز عن العنف، فهي بدورها تسلط الضوء على الطريقة التي يمنع بها هذهِ التعددية والشعور بالنفوس الداعمة لها، كتبت في مجموعتها «حول العنف والعنف ضد المرأة» الصادرة عام 2021، «إن التحرش دائما ما يكون مطلبا جنسيا غير أنهُ يحمل أيضا أمرا أسرع شرا وإثارة للشفقة: «سوف تفكر بي». «الضرر الدائم الناتج عن التهديد بالعنف هو اختطاف الفكر». وترى أنه عندما يتم إخضاع دواخلنا، فإننا نفقد قدرتنا على التعامل مع التناقضات الكامنة في داخلنا وما يحيط بنا.
قالت لي صديقتها المؤرخة سالي ألكسندر: «إنها تغمركِ مباشرة في العالم، في أكثر اللحظات إزعاجا والتباسا وصعوبة، ومن الغريب أنها تذكركِ بأن الإنسان المُفكر قادر على العمل في هذا الوجود. كيف يمكننا أن نفكر في هذه الصعوبات؟ وأضافت ألكسندر: «هُنا تلامس أفكار جاكلين وجيليان، يأتي ذلك من والديهما أو من تاريخهما غير المُعلن، ذلك الشعور بوجود شيء يجب كشفه والتفكير فيه». توجد في الغرفة الأمامية لشقة روز لوحة لتيريز أولتون ذات التناقضات المُدهشة، بيضاء ناصعة بحواف بنية مُكثفة، إنها لوحة للركام الطرفي، وهو المُصطلح الذي يطلق على الحطام الموجود على الحافة الأبعد لنهرٍ جليدي، يصبح مُحاطا بالأرض المكشوفة والمحمولة تحت الغطاء الثلجي. إنه يستحضر عقلا قادرا على النهوض والدفع إلى أوساخه. صارحتني روز ذات مرةٍ: «أود لو أعيش في عالم لا يتعين عليكَ فيه أن تخجلَ من العار».
تعيش روز في الشقة منذُ مطلع العشرينيات من عُمرها، تزينها باللونين الكريمي والبيج، وهي ألوان بحرية ناعمة وبهية. تشعر وكأنك داخل قوقعة، كانت هُناك طاولة غير مُرتفعة، تفيض كتب الكاتبات الشابات على سطحها: جوانا بيجز، أندريا لونج تشو وياسمين الرفاعي. أخبرتني آميا سرينيفاسان أن روز «نموذج لكيفية تعاملك كناشطة نسوية مع النسويات الأصغر سنا، إنها منفتحة فكريا للغاية وهو ما لا تراه في النسويات الكريهات من جيلها». تدون روز في دراسةٍ مُعتمة منظمة بعناية مع رفوف كتب مخصصة لجنوب افريقيا، إسرائيل وفلسطين عن التحليل النفسي، نجد فوق مكتبها صورة لابنتها، وبالقرب منها صورة مؤطرة لإدوارد سعيد، كأنهُ على وشك أن يختلفَ معك، يوجد على رف الكتب الموجود في الزاوية كتاب فرويد، الطبعة القياسية، المكونة من أربعة وعشرين مُجلدا مُغلفا.
تأملت في سنوات شبابها لمُدةٍ وجيزة في الدراسة لتصبحَ محللة، قررت في لحظةٍ ما أنها ستبتعد عن التحليل المُحتاجة إليه، بينت أن التحليل النفسي يسلط الضوء على كُل ما لا نريد التفكير فيه، إذا تمكنا من الاعتراف بتعقيد قلبنا، فلن نبحثَ عن كبش فداء.
عادت في مُنتصفِ شبابها إلى إنكلترا بعد إقامتها في باريس، شرعت في إعداد أطروحة حول أدب الأطفال في جامعة كوليدج لندن وانضمت إلى المجموعات النسوية، بقيت تقول لي: «إن إحدى أعظم تراث الحركة النسوية في السبعينيات كانت الصداقة!» تشارك لورا مولفي، سالي ألكسندر ونسويات أُخريات في مجموعات القراءة والمُناقشة آنذاك، ليس لديهن سوى صداقات سريعة ومُتحمسة فقط.
تقتبس روز في كتابها «الطاعون»، مُلاحظة والتر بنيامين في مقالته التي كتبها عام 1936 تحت عنوان (الراوي)، مفادها «أنه لم يكن هُناك منزل أوغرفة لم يمت فيها أي شخص ولو مرة واحدة».
اقترحت روز بجرأةٍ في أطروحتها للدكتوراه أن نقاء الطفولة وبراءتها كانا بمثابة خرافة للبالغين. نُظمَ أدب الأطفال بناء على رغبات البالغين، استعمرت الطفولة الفعلية من خلال خيالاتنا عنها، نادرا ما رجعت روز في السنوات اللاحقة إلى أدب الأطفال باستثناء استجواب البراءة، إذ أصبحَ مشروعا مدى الحياة. تصف روز نفسها بأنها ليست معادية للصهيونية، بل ناقدة للصهيونية وقارئة للصهيونية، تركز على إصرار الحركة القومية على براءتها وتحذر من السماح للضحية، التي تُفهم على أفضل وجه كحدثٍ، أو شيء يصيب الشخص، أن تصبحَ هُوية، في سياق الصهيونية كما هو الحال في سياق النسوية، قالت: «نحن بحاجة إلى أن نكون يقظين إلى ما لا نهاية في عدم السماح للضحية بأن تصبح ما نحن عليه. إن الصهيونية صادمة لليهود وكذلك الفلسطينيين». جلبت مثل هذه التصريحات الوقحة انتقادات سريعة وعنيفة في بعض الأحيان. شغلت في عام 1992 أي في سن الثانية والأربعين، منصب أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة كوين ماري في لندن، ارتحلت إلى بيركبيك في بلومزبري، قبلَ ثماني سنوات من هذا العام، كان شريكها وقتذاك هو المُحلل النفسي والكاتب آدم فيليبس، تبنت في عام 1995 بعد وقتٍ قصير من مرض جيليان الخبيث فتاة من الصين. انفصل فيليبس وروز عندما كانت ابنتهما ميا في السادسة من عُمرها، ميا صريحة ومرحة للغاية في ما يتعلق بموضوع العلاقة بين والديها، هو موقفٌ واقعي جدا وخالٍ من الحقد لدرجة أنها توحي بأن لعنة بريفيزر تم التغلب عليها بصورةٍ حاسمة، ذكرت باختناقٍ: «يشعر الرجال بالتنافسية إن كان شركاؤهم أذكياء وناجحين، كانت والدتي ناجحة جدا، وأراد والدي شيئا مُختلفا، وجد شخصا في وظيفة مُغايرة، أصغر منهُ بأربعة عشر عاما، على الرغم من أن علاقتهما عبارة عن تبادل خصب هائل، قرأوا عمل بعضهما وبغتة ظهرت تيارات خفية غير واعية قلبت حياتهما رأسا على عقب».
تقتبس روز في كتابها «الطاعون»، مُلاحظة والتر بنيامين في مقالته التي كتبها عام 1936 تحت عنوان (الراوي)، مفادها «أنه لم يكن هُناك منزل أوغرفة لم يمت فيها أي شخص ولو مرة واحدة». تنظر مثلهُ بارتيابٍ إلى الجهود المبذولة لإنكار مشهد الموت، وعليه كتبت روز: «لا يمكن في حالة الوباء نفي الموت إلى ضواحي الحياة البعيدة». أما الآن فصار الموت أمرا مُخجلا، حتى يُنفى عن الأنظار، قالت «إن هذا المرض، والحاجة إلى إخفاء الموت، يُلخص بالنسبة لي دائما النكتة التي شاركها فرويد في كتابه «أفكار لأزمنة الحرب والموت»: الزوج والزوجة يجلسان معا ويتحدثان عن مستقبلهما، ويقول الزوج: «عندما يموت أحدنا، سأنتقل إلى باريس». يتساءل «الطاعون» كيف نفكر في الكارثة؟ وينبض تحت هذا سؤالٌ آخر أكثر يُهيج القلق: كيف نفكر من دونه؟ وكتبت جيليان: «ماذا لو مت؟ دعني أكتشف ما أريد وما أخشاه من الحُب». يبدو الغشاء الفاصل بين الحياة والموت رقيقا جدا في يومياتها والوقت قصير، والفكر مقطر إلى الجوهر. لقد كان هذا الإلحاح هو ما تحدثت به روز إلى الجمهور، هل شاهدوا تلك المقالة في المجلة الجديدة Parapraxis حول أهمية التحليل النفسي في أوقات الزحف الفاشي؟ واستطردت: «بطبيعة الحال، من المفترض أن يكون التحليل النفسي هامشيا، إنه مُدمرٌ اجتماعيا، وإذا أصبحَ مقبولا على نطاقٍ واسع، فمن المُؤكد أن يستحيلَ مُشكلة.
أخذت روز الأسئلة، وقعت الكتب المعنية بالطاعون في حفل التوقيع الخاص بها وقامت بطريقتها المتنافرة، بعملية التفكير أمام الجمهور، تلك الشخصية الأنيقة، الخبيرة والدقيقة المُدافعة عن فضائل أسلوب الإبهام الجامح غير القابل للحكم.
انتقلت مجموعة منا إلى حانة قريبة، بدت روز مُنتقدة لذاتها ومُتعبة، سئمت من النظر إليها على ما أعتقد. قدمت مُقدمات مُباغتة اقتنعت بعدئذٍ أن المُحادثة سوف تستمر دونها، دفعت كأس النبيذ المُمتلئ إلى الجانب وهربت بأدب. «لهذا السبب أحب سيمون ويل كثيرا»، همست وهي تتابع خيطا أخيرا، فكرة أخيرة. كانت لديها هذه الأطروحة حول كيفية جعل نفسك أكثر حضورا في غيابك!
*الترجمة بتصرف

0 تعليقات