عندما ماتت أمها ومن قبل أبوها ثم أخوها.. ثم رحلت هي.. كانت الأعمدة الرئيسية للأسرة فقد تهاون.. فماذا عن ابن أختها هذا وذاك؟
وظهر الكثير من هؤلاء بعد رحيلها وهم الذين ورثوا ثروتها وباعوا ممتلكاتها بحجة أن الأيام دارت عليهم ولم يعد هناك من يسأل عنهم؟! وتكتشف أن ابنة العم هي أختها وابنة الخال هي أختها وبالتالي فان أولادهم وأحفادهم.. يفخرون بأنهم يتبعون أم كلثوم.. ويحملون اسمها.. وقد كانت تفتح بيتها وقلبها ومحفظتها للقاصي والداني وكل من ينتمي الى طماي الزهايرة أو غيرها..وكيف لا ويدها وكل من ينتمي الى البلد كلها لأنها لم تنجب فقد كانت عطوفة على الكل وتحب اللمة والعزوة وهي أصيلة لم تتنكر أبداً لقريتها أو ناسها.. وكل من دخل بيتها فهو منها وقد اعترفت في أحاديثها عن نفسها أن الأخ الوحيد لها من الأب والأم هو خالد.. والثابت أن الشيخ ابراهيم الوالد لم يتزوج بخلاف الست فاطمة وعلى لسان ثومة أيضا.. وهي من باب المودة.. كانت تعتبر كل من يتواجد في بيتها قطعة منها بصرف النظر عن مستوى القرابة..
لكن ماذا فعل هؤلاء الأقارب بثروة الست ومقتنياتها ومصاغها؟ ذلك هو السؤال الواجب طرحه لان «ثومة» هي من الأملاك العامة فهي قصة الغرام الأبدي بين مطربة وشعب عربي من المحيط الى الخليج كما قال الكاتب الفرنسي مصري الأصل ألبير قصيري وقد كتب عنها سيناريو لفيلم وثائقي تم نشره في السنوات الأخيرة استعرض فيه حياتها من الميلاد الى الرحيل.. ونكشف ربما للمرة الأولى أن المخرج العالمي سيسيل دى ميل صاحب فيلم الوصايا العشر عرض عليها العمل في أوروبا وأميركا بأرقام خرافية في الأربعينيات لكنها اعتذرت بدون تردد وقالت: أنا مثل السمك اذا خرجت من الماء أموت.. والماء هو بلدي الذي وضع التاج على رأسي.
وفي مستشفى البحرية الأميركية عندما كانت تعالج هناك عرضوا عليها 100 مليون دولار عام 1948..حتى يتم البحث حول حنجرتها بعد وفاتها.. ورفضت أيضا.. وقد قال عنها الفرنسي جان كلود بسكال أم كلثوم تشبه الفاتيكان بمعنى أنها دولة داخل الدولة.. ولكنها ردت على هذا الوصف بأنها مجرد مواطنة بسيطة في دولة عظيمة اسمها مصر.
وقد قال عنها مصطفى أمين رغم أنها أصبحت من أشهر نساء العالم ألا أنها كانت زاهدة في الشهرة وكانت قبل وفاتها بسنوات تخاف من الصحافيين وقد تعرضت للهجوم ونشروا حولها الأكاذيب.. لكن كل الطوب والحجارة التي ألقيت عليها لم تهدم الهرم انما زادته ارتفاعا وعلواً وكما ارتبطت بالشعراء والملحنين وبأقاربها القريب منهم والبعيد ولكن يظل محمد القصبجي علامة في سكة أم كلثوم.. فهو صاحب تكوين أول فرقة موسيقية.. وظل خلفها محتضنا عوده بنحافته وشاربه المميز وقد لعب دوره احمد راتب في المسلسل التلفزيوني وكانت الست تتعامل معه كواحد ممن ينطبق عليهم وصف «عشرة العمر» أو صديق العمر.. وقد التقى بها عام 1924.. وكانت شركات الاسطوانات تتعامل معه بكثرة.. وقد عرفها عن طريق والده الذي ربطته صداقة مع متعهد حفلات هو الشيخ «محمد ابوزيد» (لاحظ هنا أن لقب الشيخ كان يرتبط بالملحن والمطرب ومتعهد الحفلات بلا أدنى حساسية)..
وسمعها وأعجب بصوتها وذهب اليها لكي يراها عن قرب ورد عليها التحية دون أن تعرفه وكان قد سجلت أغنية من ألحانه بدون أن تلتقي به وهي (آل أيه حلف ما يكلمنيش).. وعرفها ولم يفترق عنها لأكثر من أربعين عاما.. وكان أيضا يحمل لها في قلبه الكثير من المشاعر العاطفية التي احتفظ بها لنفسه.. وكان يعتبر رامي محظوظاً لان الشعر أتاح له الفرصة لكي يقول لها ما يريد في أغنياته.
شكل الفرقة الموسيقية بديلا عن التخت والجوقة.. جعل أم كلثوم تغير من أسلوبها.. ودخلت الى عالم الأغاني بكل أنواعها بعد المدائح والانشاد وتحول القصبجي عن تكوين الفرقة الى ما يشبه المدير الفني لكرة القدم فقد اختار امهر العازفين ومنهم محمد العقاد (قانون)، سامي الشوا (كمان)، محمد القصبجي (عود)، رحمي (ايقاع).. وكان من نتيجة ذلك أنها انتقلت من الغناء في الصالات الى المسارح وهي نقلة مهمة تغيرت معها نوعية الجمهور وقد اختار لها القصبجي مسرح دار التمثيل العربي وكانت منيرة المهدية تقدم حفلاتها عليه وخشي مدير المسرح أن تغضب سلطانة الطرب اذا ما عرفت ذلك لكن القصبجي أقنعه بأن المسرح هو المستفيد من هذا التنافس..
وكان من نتيجة ذلك أن الحرب زادت على «ثومة».. خاصة بعد أن زاد جمهورها على من يحضرون للسلطانة.. وهنا أدركت الدور الذي يلعبه القصبجي في حياتها الفنية على أكثر من محور فهو ملحنها الأول ويلازمها في كل مكان.. وقائد فرقتها وصاحب النقلة الفنية في مشوارها.. ويعتبر لحن (أن كنت أسامح) انطلاقة كبرى فقد سجلتها ثومة على اسطوانة باعت مليون نسخة وتقاضت 80 جنيهاً نظير ذلك مقابل 15 جنيها للحن.. وقد عرضت عليها الشركة أن تحصل على 5 قروش عن كل اسطوانة يتم بيعها ولكنها رفضت.. وقبلت بالمبلغ المدفوع اجمالاً.. فلم تكن تتصور أن الاسطوانة ستبيع كل هذا العدد وبذلك ضاع عليها 50 الف جنيه وخبراء الموسيقي توقفوا طويلا أمام هذا اللحن فيما يعرفه بفن المنولوج (أي الغناء الفردي) وقد تأثر القصبجي في ذلك بسيد درويش وتتميز هذه الألحان بالحس الدرامي فيها.. ومع هذا التطور في أسلوب التلحين كان شكل الفرقة يتغير باضافة آلات جديدة وعدد اكبر من العازفين وقد تأثر عبدالوهاب والسنباطي بأسلوب القصبجي في (الاسية) لان نجاحه كان مدويا حتى أن المنافسة «منيرة» كانت تغنيه في حفلاتها وهددها مدير شركة الاسطوانات باقامة دعوى قضائية ضدها اذا لم تتوقف عن ذلك واضطرت للاستجابة.
وفي أفلام أم كلثوم التي اعتمدت على الغناء كان لألحان القصبجي حضورها بقوة باستثناء فيلم «سلامة».. لكن بعد عشرين عاما تقريبا توقفت الست عن تقديم الحان القصبجي فهل تنكرت له؟.. أو اعتبرته مرحلة ويجب أن تدخل في أخرى؟ ولذلك شجعته على تقديم ألحانه لغيرها.. بعكس ما كانت تطلب منه سابقا بأن يعرض عليها أو لا كل لحن.. قبل الآخرين وكان أخر ما غنت له (رق الحبيب) عام 1946.. لكنه ظل خلفها يحتضن عوده حتى وصلنا الى عام 1954.. عندما قدمت له أم كلثوم قصيدة وطنية بعنوان (يا دعاة الحق) كتبها احمد رامي وكان مقرراً أن تغنيها للاذاعة.. شعر بأن أبواب الست أتفتحت أمامه مرة أخرى وكان متحمسا للغاية ومن فرحته يسرع بكل جزء يلحنه اليها وأظهرت الرضا.. ويعود الى بيته منشرحا لكي يكمل ولما انتهى وجد الست ومعها رامي في بيته وبدا يدندن باللحن كاملا لكنها بكل بساطة طلبت منه أن يعيده وأكد لها انه بذل كل ما لديه.. ولم يعد عنده ما يضيفه.. وعلى عكس ما كانت تفعل صرفت النظر عن الأغنية بأكملها.. ولكن القصبجي قدم اللحن الى فايدة كامل ويبدو أن القصبجي لم يندهش لهذا الموقف.. فقد سبق أن طلبت منه تلحين أغنية «سهران لوحدي» واختار لها نغمة جديدة يسمونها أهل الموسيقي (ما وراء النهرين) وسحبت اللحن منه وقدمته الى السنباطي ثم تكرر الأمر بنفس السيناريو في (نشيد الجلاء) و(للصبر الحدود) وذهبا الى محمد الموجي.
وظل القصبجي صابرا مكتفيا بدوره في فرقتها الموسيقية وحضوره حفلها على المسرح وبالقرب منها.. وقد فسر البعض ما جرى الى ثلاثة أسباب جاءت على لسان صديقه الناقد الفني محمود كامل فقال أن أولها تدهور صحة القصبجي وثانيها انه تكلم في كل مكان عن سوء معاملة الست له وثالثتها اصراره على أن يتقاضى أجره كاملا كعازف حتى في الحفلات التي كانت ايراداتها تذهب بالكامل الى المجهود الحربي حتى أصابته عقدة نفسية من ثومه ووصل لها الكلام وأولاد الحلال في الوسط الفني بل وفي الحياة ما أكثرهم.. حتى صارحته:
يبدو يا قصب (اسم تدليله كانت تناديه به) انك تحتاج الى راحة طويلة.
مع ملاحظة أن ثومه كانت تناديه (اخي) وهو نداء يحتمل أكثر من معنى وحاسة المرأة لا تخطئ في مشاعر رجل دائم التواجد معها.
وتكرار محاولاتها معه تفسر أنها كانت تريد أن تمنحه الفرصة حتى وصل الى درجة لم يعد معها قادرا على ضبط الآلات الموسيقية مع الفرقة وكان ينسى الألحان وهي تعتمد عليه بشكل كبير وهو رئيس الفرقة الأمر الذي ينعكس على الأداء كله.. ويسبب الارتباك.. وهنا ظهر عازف القانون محمد عبده صالح الذي كان يحفظ جميع الألحان بشكل وثيق كأنه جهاز تسجيل.. وتحول القصبجي الى مجرد عازف يتقاضي 20 جنيها عن كل حفلة.. ثم تحول الى ديكور بعد أن تكالبت عليه الأمراض.. وكانت الخطوة الأخيرة اشفاقا عليه من الاغماء الذي تعرض له كثيرا وهو في الطريق أن طلبت منه أن يستريح في بيته وأجره عن كل حفلة عامة أو خاصة سيصل اليه كاملا وكان جوابه:
عايز اشتغل معاكي لأخر يوم في عمري!
واحترمت رغبته.. احتراما لأخوته فقد كان يلازمها حتى في ذهابها الى السينما أو مشاويرها الأخرى... وظل كذلك الى أخر أيام حياته عام 1966.
والقصبجي اكبر من أم كلثوم بست سنوات تخرج من مدرسة المعلمين وكان يهوى الفن ويقوم بأداء بعض الأدوار في تقليد الممثلين.. لكن صداقته للمطربين كانت أكثر وهي التي قربته من عالم الموسيقى وأبرزهم زكي مراد والد ليلي ومنير مراد وصالح عبدالحي وكان والده موسيقيا عازفا لعود وملحنا وقد درس بالأزهر الفقه والتوحيد واللغة العربية ثم تفرغ للفن وترك التدريس وأول أغنية له هي (ماليش عليك في القلب غيرك) وغناها زكي مراد وهو المطرب المشهور في هذا الوقت ثم بدأ رحلة الاحتراف وقد لحن بعض الأغنيات التي انتشرت مثل: بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة وشال الحمام حط الحمام.. حتى التقى مع أم كلثوم وتغير خط سيره تماما.
أما القدير محمد عبده صالح فهو مواليد القاهرة عام 1916 وأشهر من عزف على آلة القانون وأستاذه محمد العقاد.. وقد تأثر به كثيرا.. وعندما تعاقدت الاذاعة عام 1977 على نقل حفلات أم كلثوم.. انضم الى فرقتها وظل ملازما لها حتى توفي قبلها بخمس سنوات.. وكانوا يطلقون عليه صاحب الأصابع الذهبية وقد احتفظت أم كلثوم بمقعده حاليا تكريما له ونفس الشيء فعلته مع القصبجي ويوم وفاته استيقظ نشيطا ومارس حياته ومات وهو على مائدة الغداء وقد أسرعت أم كلثوم الى منزله وأرسلت ابن شقيقتها محمد الدسوقي أو سكرتيرها ومدير أعمالها لكي ينوب عنها في الجنازة وهي التي خافت أن تتحول الى فوضى اذا حضرت وقالت: ان خسارتي في القصبجي لا تعوض.. وقد ولد في أسرة موسيقية أباً عن جده فقد كان جده يعزف الناس للسلطان عبدالحميد.. وورث والده عزف الناس أيضا مع عبده الحامولي وكان يحمل شهادة العالمية في الأزهر الشريف.. ومحمد عبده صنع لنفسه أول قانون وقد درس والتقى لأول مرة مع أم كلثوم عام 1926.. وعندما اختلفت مع محمد العقاد استعانت به عام 1929.. كان يتميز بالصمت وكان يعزف الناي الى جانب القانون وهو آلة وترية قديمة بها 72 وترا وتعزف على 26 مقاما وكان يتمنى أن يسجل مقطوعاته التي ألفها على اسطوانات.
الحفناوي أيضاً
ومن أشهر العازفين في فرقة أم كلثوم أمير الكمان احمد الحفناوي وقد عمل مع كبار المطربين وكون فرقة خاصة باسم (خماسي الحفناوي) والمعروف أن الفرقة الموسيقية غالباً تضم مجموعة من عازفي الكمان ومن عملوا مع أم كلثوم: مجدي بولس، حسان كمال، كريم حلمي، أحمد العريان، عزالدين حسنى، محمد نصر،مكرم جرجس، عبده داغر، كمال الشويخ، أنور منسي، ابراهيم القباني، عبدالغني غنيم، محمد سيد هيكل، عبدالفتاح خيري، لبيب حسن، محمد ماضي ومعهم سيد سالم عازف الناي الذي ظلت ترعاه حتى آخر وقتها.
وقد انضم اليهم من الشباب فاروق سلامة على الاكورديون وعمر خورشيد وأحمد السنباطي على الجيتار ومجدي الحسيني وهاني مهنى على الاورج والحفناوي مولود في 14يونيو عام 1916 وكان يتميز بدرجة عالية من الحساسية حتى أطلقوا على كل عازف اسم الحفناوي وقد بدأ عمله مع أم كلثوم عام 1937 وقد كان والده صانعا للآلات الموسيقية وفي مكانه قابل محمد القصبجي وابراهيم القباني وفهمي عوض وقد تعلم عزف الكمان على يد مدرس خاص ودرس قليلا في معهد ابراهيم شفيق بحي عابدين ثم تركه لكي يلتحق بمعهد الموسيقي العربية.. ودرس العزف على يد (داجوليو) ثم (ارميناك) وقد تخرج في دفعة المعهد التي ضمت: عبدالحليم نويره مؤسس فرقة أم كلثوم.. وفريد الأطرش وعمل مع المطربات نادرة وفتحية أحمد.. وعند تصوير فيلم «وداد» بطولة أم كلثوم لم يكن عدد عازفي الكمان كافيا وهنا انضم الحفناوي لكن الست رأت مقدرته وطلبت منه أن يستمر معها.. ولانه عمل مع مشاهير الطرب وعرف كبار الملحنين من أجيال مختلفة لعب دوراً بارزاً في كثير من القصص التي تتعلق بعلاقات أهل الفن وبعضهم البعض وابرز أدواره في اغنية (أنت عمري) فقد كان همزة الوصل بين عبدالوهاب وثومة.. التي اشترطت أن تجرى الأمور بكل سرية بعيدا عن أعين الصحافة واستمر هذا العمل السري 3 أشهر حتى سجلته لشركة صوت القاهرة..

0 تعليقات