كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

الاحتمال الثالث: (حول بيانات المثقفين العرب)



محمد خضير

ــــــــــــــــــــــ

  اطّلعتُ على أكثر من بيان "رفعه" المثقفون العرب على صفحات الصحف ووسائل الاتصال الاجتماعي، ووقّعتُ بالفعل أحدها، راجياً أن يلتحق صوتٌ من العراق بأصوات عربية تسعى بإخلاص إلى التأثير في الضمير العالمي، علّه يستجيب لدعوات إيقاف مجزرة غزة الفظيعة، ويؤثّر بشكل ما في تغيير القناعات غير المتوازنة لذلك الضمير، بل المتحيّزة من دون تريث لجهةٍ ظالمة لم تتورع عن استخدام آلتها العسكرية في تفريغ المجال الفلسطيني من سكانه الأصليين_ في أضخم الحملات العسكرية وأشنعها على مدار الصراع منذ نكبة ١٩٤٨.

    كان _فيما مضى من أزمنة الاحتجاج على ظلمٍ ما_ احتمال قوي في أن يُقلِق مقالٌ صحفيّ راحة الحكومات المحلية ويزعزع يقينها الصلب تجاه شعوبها، أو أن تعبر قصيدةُ شاعرٍ ثوريّ الحدودَ فتحفر ثقباً في الجدار المقابل لوطنه وتنفذ إلى عنجهيته وتُجهِض إرادته العدوانية، وفوق هاتين المحاولتين الفرديتين، فقد كان بوسع بيانٍ يوقّعه أقطاب الفكر والأدب والسياسة العالميين أن يُجبِر طغاةَ العصر على التراجع عن مواقفهم المتعسّفة، ويحنوا الرقاب لِمن هم أعلى تخلقاً منهم وأبعد تفكراً من نفعيتهم السياسية والعسكرية؛ كانت تلك الوسائل لا تُخطئ هدفها، بل تضيف لحركات الاحتجاج والتظاهر قيمةً في مواجهة أروقة المؤسسات الحديدية، وتضبط إيقاع شوارع المدن المفتوحة لاحتمالات الفوضى والهيجان الجماهيرية. كانت تلك معجزات فردية اتخذت سبلاً بعيدة وصعبة في الوصول والتأثير في مواقع شتى من العالم.

   فكيف لبيان عربيّ جماعيّ_ يصدر في عصر المعجزة الإلكترونية_ أن يفعل ما أحدثته معجزات الزمان السمعي والمرئي غير الإلكتروني؟ إنها لمعجزة كبرى، بل لهو احتمال غرائبي_ هذا الذي يُشبه مثيلاً له في روايات ماركيز _ أن تنفذ الأصوات المحتجّة_ الموقِّعة على "ورقة"_ عبر المصادفات البحتة إلى طاولة حكام/ قادة غير مرئيين، بل إلى مكمن روبوتات من عصر "حرب النجوم". إننا، في أقرب الاحتمالات، نوجّه بياننا إلى عناصر مصفوفة رياضية لا تعير اهتماماً لغير الحسابات المؤتمتة، في رؤى كتّاب الخيال العلمي المستقبلي، هؤلاء المبرمجين لعالم آخر، يأتي في أثر حملات الخيال السياسي الديستوبي، في روايات ويلز وبرادبري وأسيموف وكارل تشابك.

   على أقلّ احتمال، ستضيع أصوات المثقفين العرب في فراغ التجاهل والنسيان، ذلك الفراغ الذي أحدثته تكنولوجيا الحروب في مديد تاريخهم، ووسّعته فلسفاتُ نهاية التاريخ كثيراً،  فعزَلَتهم عن بدايات حضارتهم ومكتبات مدنهم العظيمة. أما في أكبر احتمال، فقد تحدث معجزةٌ ما، في عصر التشويش الإلكتروني، فيلتقط البيانَ حاسوبٌ مجهول_ كذلك الحاكي الحجري في رؤيا لماركيز أيضاً_ عائدٌ لأحد أولئك الموتى، الذين سحقتهم الطائرات في هجمة إلكترونية مبرمجة، في العام الثالث والعشرين من ألفية الميلاد الثالثة؛ وكان ما زال _حاسوبُ المعجزة هذا_  يحسب ما هو غير محسوب ومُنتهٍ في الرؤيا الألفية، ويشير إلى الوطن الممسوح في عالم الرسائل والتقارير والبيانات الضائعة، باسمه القديم أو باسم آخر غيره. 

     ربما.. ربما.. لم ينته الوقت المحسوب في بيان تلك الفترة_ البعيدة مثل ضوء نجم بين النجوم. ربما.. ربما.. تلتمع حدقة الحاسوب لترى ما لا يراه كاتب/ مُرسِل رؤيويّ _ من هذا الجانب الممسوح_ فيبقى شاهداً أخيراً على حملة المسح البربرية.

    قال غابرييل غارسيا ماركيز في خطبة تسلّمه جائزة نوبل: فيما لو اختار العالم أن ينهي وجوده في حرب نووية، فمن حقّ إنسان_ عاش مئة عام من العزلة_ أن يختار لنفسه نوع الموت الذي سيواريه نهائيا عن هذا العالم!

    أما إذا كان هذا الإنسان، في موقع لا يحقّ له اختيار ميتتِهِ، حتى إذا كان وجوده يمتد إلى آلاف السنين الماضية، فمن حقه_ عزائه الوحيد_ أن يخترع حاسوبَه_ الحجري، افتراضاً_ كي تبقى حدقته مفتوحة على وطنه الممسوح.

     هذا ما لم يفكر فيه ماركيز، ومثله من كتّاب العالم الرؤيويّين؛ وربما يجدر بالمثقفين العرب أن يعيدوا كتابة بيانهم/ بياناتهم، على هذا الاحتمال الثالث، أيضا.

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية