كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

مجنون نجاة حول حكاية قصيدة "لا تكذبي" للشَّاعر كامل الشّناوي

 

  • سيمون عيلوطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزوبعة التي أثارتها أغنية قصيدة كامل الشِّناوي "لا تكذبي"، غناء نجاة الصَّغيرة، عبد الحليم حافظ، وملحِّنها، محمَّد عبد الوهَّاب، لم تهدأ حدَّتها منذ انطلاق "الأغنية" في العام 1962، حتى العام الجاري، 2022.

وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، لم تزل بين الحين والآخر، تُطُلُّ علينا بتقارير صحافيَّة حول أبطال هذه "الأغنية"، جميعهم من الأدباء والشُّعراء المرموقين. اثنان منهم فقط تحدَّثا عن علاقتهما بالمطربة، هما: محمود درويش، ويوسف إدريس. أمَّا الآخرون فقد آثروا الصَّمتَ، ما فتح الباب واسعًا أمام هذه الزَّوبعة العاتية من الشائعات التي ما تكاد تهدأ، حتى تعود من جديد. ولولا الأقلام الجادة التي كتبت بموضوعيَّة وإنصاف حول هذه المسألة، لغرقنا في بحر حبر أقلام غير مسؤولة، وبعضها مغرضة، "لحاجة في نفس يعقوب".

من بين أصحاب الأقلام الجادة التي تناولت هذا الموضوع الشَّائك، أذكر الكاتب والصَّحفيّ البارز، عبد الباري عطوان الذي تضمَّن كتابه (وط

ن من كلمات) على مقالة تطرَّق فيها بموضوعيَّة إلى علاقة الشَّاعر الفلسطينيَّ محمود درويش بالمطربة نجاة الصَّغيرة، مبيِّنًا أنَّ هذ الحبّ كان من طرف واحد، وذلك وفقًأ لاعتراف الشَّاعر نفسه. كما سنرى بعد قليل.

مقالة أخرى استوقفتني لجديَّة طحرها لنفس الموضوع، هي للناقد الفنيِّ الكبير، إبراهيم العريس، نشرها في جريدة "الحياة" الخميس 3 مايو 2018، تحت عنوان: «لا تكذبي» لكامل الشناوي: ذروة مؤلمة لشاعر العاطفة والوطنيَّة».

إلى جانب تلك المقالات والتَّقارير الجادة، نجد أنفسنا أمام سيل جارف من تعدُّد الشَّهادات والشَّائعات حول من هو خصم الشًّاعر الشنَّاوي في حبِّه لعصفورة الجنَّةـ، وأنا إزاء ذلك لا أستطيع أن أسلِّم بهذه الشَّهادة، أو تلك الشَّائعة على أنَّها حقيقة، خاصَّة أنها جاءت على لسان فلان، نقلًا عن علَّان، ولكيلا نبقى بين (حانة ومانة ضاعت لحانا) سأواصِل البحث لَعَلِّي أصل إلى ذلك "الغريم" المزعوم، أو إلى تصوُّر منطقيِّ قابل لتحديد هويَّته، بما يُلقي الضَّوء أكثر على الرَّوائع الشعريَّة التي فجَّرها في نفس شاعرنا هذا الغريم، فخاطبه في قصيدة "لستَ وحدك حبيبها"، أو حول خيانة حبيبته له التي كتبها "بدموعه" في قصيدة "لا تكذبي".

لذا، فقد حَاولتُ جاهدًا من خلال المراجع التي اعتمدتها في الحلقات السَّابقة أن أظْهِر من هو غريم الشَّاعر كامل الشِّناوي، كما أنني قرأت الكثير من المراجع الأخرى، لعلِّي أصل بالدَّليل القاطع إلى ذلك الغريم، ولكنَّني لم أعثر هذه المرة أيضًا على أكثر مِنْ: قال فلان نقلًا عن علَّان، أو روى أكس عن زد.

 يبدو أنَّنا لم نتخلَّص بعد في كتابة تاريخنا العربيّ من: روى فلان عن فلان"، وكثيرًا ما يختلف التَّطابق حول الواقعة نفسها في رواية فلان، عن رواية أخر، وإنَّنا في غياب الدِّقة الموضوعيَّة والمهنيَّة في سرد تاريخنا، نظلُّ بين دفَّتيّ الشَّك واليقين، نعدو خلف طلاسم تحيط بالحقيقة التي كلَّما أدركناها بشهادة ما، أتتنا أخرى تدحض سابقها، وهكذا دَواليك... وإنَّ تباين الروايات واختلافها حول قصيدة "لا تكذبي" لم تخرج عن هذا النمط، خاصة أنَّ بعض هذه الرِّوايات تتحدَّث عن أشخاص رحلوا عن عالمنا منذ سنوات إلى دار الحق، ولا يحق لأحدٍ في دار الباطل، مهما كان، أن يتحدَّثَ باسمهِم بدونِ أدلَّة موثوقة المصدر.

وحدها التي تعرف الحقيقة هي صاحبة الشَّأن، المطربة نجاة الصَّغيرة، أمدَّ الله في عمرها، وهي منذ اعتزالها الفن، في العام 2003، واعتكافها في البيت لم تُطل على جمهورها سوى مرَّة واحدة، في 2017، عندما غنَّت "كل الكلام"، من كلمات الشَّاعر الرَّاحل عبد الرُّحمن الأبنودي، ألحان طلال، توزيع موسيقي، يحيى الموجي، إخراج هاني لاشين. وأنا لا أظنُّها سَتُطِلُّ مرَّة أخرى لتفتح السِّتارة عن سرِّ حكاية تلك القصيدة، فهي بطبعها كتومة، لا تختلط بالآخرين كثيرًا، ولا تحب أن تتكلَّم عن خصوصيَّاتها، حتى أنَّها في المقابلات الصحافيَّة التي أجريت معها حول حياتها وفنّها، كانت إجاباتها عن الأسئلة مختصرة جدًا. 

ربَّما لهذا السَّبب نظر إليها البعض على أنَّها امرأة غامضة، ما زاد من حيرة كامل الشِّناوي في فهمه لشخصيَّتها. كتب صديقه الصحفيَّ الرَّاحل مصطفى أمين في كتابه: "شخصيَّات لا تُنسى: "كان الشنَّاوي يقول: "لا أفهمها، فهي امرأة غامضة لا أعرف هل هي تحبّني أم تكرهني...؟، هل تريد أن تحييني أم تقتلني...؟". أستنتج أنَّ غموضها هو ما أزكى لهيب الشَّائعات حول حكاية أبطال قصيدة "لا تكذبي" وبطلتها المطربة التي حين صدحت بها، شغلت الرَّأي العام المصريّ، والعربيّ، وأطلقت خيال الكتَّاب والأدباء لصياغة التَّقارير الصحافيَّة حول حكاية هذه القصيدة، كما أنَّ الأديب إحسان عبد القدُّوس نشر على حلقات في جريدة "الأهرام" رواية، عنوانها: "وعاشت بين أصابعه"، استوحاها من قصَّة "الشِّناوي ونجاة".

 الرِّواية احتوت على أمور أغضبت نجاة، وأرادت أن تقاضيه، ما جعل عبد القدُّوس يلجأ إلى تخفيف إشاراته الإباحيَّة في الفصول الأخيرة من الرِّواية. وقد تمَّ نشرها أيضًا في نسخة إليكترونية على "الإنترنت" عبر الرَّابط التَّالي:


أمَّا عن علاقة نزار قباني بنجاة الصَّغيرة، فقد بدأت منذ أن أرسل لها بالبريد المسجَّل سنة،1960، قصيدة "أيظن" طالبًا منها أن تغنيها. نجاة عرضت القصيدة على الملحِّنين: محمَّد الموجي، كمال الطَّويل، وبليغ حمدي الَّذين اعتذروا عن تلحينها، وأجمعوا على أنَّ بعض كلمات القصيدة لا تستسيغها الأذن. المطربة احترمت تقتير الشَّاعر لصوتها، فأرادت أن تشعره باهتمامها بقصيدته، فقامت بنشرها في إحدى الصَّحف المصريَّة، بعد أيام اتَّصل بها الموسيقار محمَّد عبد الوهَّاب يخبرها أنَّ لحن قصيدة "أيظن" أصبح جاهزًا، بإمكانها الحضور لسماعه، قالت: من أحضر لك القصيدة؟، أجاب: قرأتها في الجَّريدة، أعجبتني، فلحَّنتها.

القيثارة الحزينة

ثمَّ تطوَّرت علاقة نجاة بنزار الذي لم يخفِ أعجابه بها، حيث صرَّح في أكثر من مناسبة، أنَّ على السَّاحة الغنائيَّة العربيَّة وفرة في الأصوات النسائيَّة، ولكنّ نجاة هي وحدها الأنثى إذا غنَّت. وقد وجد قباني فرصة للإقامة إلى جانب نجاة في مصر مدَّة أطول، وذلك عندما عُرض عليه أن يقوم بأداء تمثيل دور في مسلسل إذاعي، بعنوان: "القيثارة الحزينة" بطولة، نجاة الصّغيرة، تأليف، يوسف السَّباعي. رابط المسلسل على "يوتيوت" هو:





بخصوص شقيقه صباح، فإنَّ المصادر التي بحوزتي لا تُفيد بأكثر من أنَّه كان يستقبلها باهتمام شديد عندما كانت تزور دمشق لتسجيل بعض أغنياتها في الإذاعة السوريَّة التي يترأس أدارتها ويضع الاستوديو تحت تصرُّفها، ثمَّ يحتفي بقدومها بصحبة مجموعة من الفنَّانين السُّوريين، لقضاء سهرة فنيَّة خاصَّة.

اليوسفان والمطربة...

اليوسفان، سباعي، وإدريس، شخصيَّتان معروفتان جدًا، كما أن المطربة نجاة مشهورة إلى الحد الذي قلَّما تجد في مصر أو في الوطن العربيَّ من لا يعرفها، فهل يعقل أن يضحِّي هؤلاء بسمعتهم ورصيدهم الجماهيريَّ الواسع، في سبيل نزوة في السيَّارة على الطَّريق الزِّراعي، أو كرنيش النِّيل، في حين أنَّ الشُّقق المفروشة في القاهرة كثيرة، "على ظهر من يشيل" ولهم أن يأخذوا راحتهم بداخلها، لو أرادوا، بعيدًا عن الأعين، والألسن أيضًا، وبالتَّالي، فإنَّ الشَّاعر العاشق، كما أرى، تصوَّر من شدَّة هواجسه وهيامه بمحبوبته المطربة، أنه شاهد يوسف السِّباعي يُعانقها، ويُقبِّلها، بينما في الواقع فإنَّه لم يَرَهُما ولم يَسْمَعهُما، ولكن شُبِّهَ لهما. الحقيقة الوحيدة المُؤكَّدة في هذا المقام، هي "القصيدة" ذات الصِّلة بموضوعنا.

هناك مصادر أخرى تقول: إن الذي كانت نجاة معه في السيَّارة على الطَّريق الزِّراعيّ، لم يكن يوسف السِّباعي، بل هو يوسف إدريس، وقد رآهما الشَّاعر بالسيَّارة على كرنيش النِّيل، وهي ملقية برأسها على كتفه، فكتب قصيدة "لا تكذبي"، والغريب أنَّ إدريس ضحك ضحكة عالية عندما سُئِل عن علاقته بنجاة، ولم يُجب عن السُّؤال، لكنَّه في مناسبة أخرى أجاب عن نفس السَّؤال الذي وجهه له النَّاقد الفنِّي طارق الشِّناوي، حيت قال: "قصيدة (لا تكذبي) كتبها الشَّاعر عنِّي... وأضاف: "أنت تعرف ما أقصد". ونحن إزاء صمته حينًا، وتلميحه حينًا آخر، لا نستطيع أن نؤكِّد، أو ننفي صحَّة هذه المزاعم، ولكن من المُؤكَّد أنَّ هناك مِنَ الرِّجال مَنْ يحبّ أن يظهر على أنَّه دنجوان زمانه، لعلَّ يوسف إدريس أحدهم!!.
  • محمود درويش: (النِّسيان هو تدريب الخيال على احترام الواقع)
فيما يتعلَّق بعلاقة الشَّاعر الفلسطينيّ محمود درويش بمطربتنا، فإن الشَّاعر لم يُخفِ إعجابه بصوت نجاة، وكان بعد وصوله للقاهرة سنة 1971، يقيم في فندق (شبرد) المطلّ على النِّيل. حول ذلك كتب الكاتب الصحفيّ عبد الباري عطوان في كتابه (وطن من كلمات) الصَّادر عن دار السَّاقي عام 2011، حيث قال: (نعم كانت هناك قصَّة حبّ جمعت بين محمود ونجاة، والقصَّة بدأت منذ وصول محمود إلى القاهرة قادمًا من موسكو في العام 1971، حيث أقام في فندق (شبرد) المطلّ على النِّيل، وفي كلّ يوم كانت تأتيه سلَّة ورد إلى غرفته عليها كرت يحمل توقيع (مع تحيَّاتي، نونا).

يتابع: "واستمرّ وصول الورد إلى أن تلقّى محمود اتِّصالًا هاتفيًا سألته صاحبته بصوت ناعم ورقيق: أكيد أنت عايز تعرف مين نونا، بكرة السَّاعة 12 انتظرني أمام المدخل الرَّئيسيّ للفندق سأحضر بسيَّارتي. وفي الموعد المحدّد تمامًا وبينما كان الترقُّب والتوتُّر والقلق مسيطرًا على محمود درويش اقتربت منه سيَّارة فارهة مغطَّاة نوافذها بستائر سوداء، ثمَّ فتح الباب الخلفي للسيَّارة وبهدوء شديد أطلت الفنَّانة نجاة الصَّغيرة واقتربت منه بابتسامة رقيقة وقالت له: عرفت مين هيَّ نونا. فقال لها بخجل وارتباك خفيف، كنتِ وما زلتِ جزءًا من تاريخي العاطفيّ، وأشعر بأنّ هناك سرًا بيننا، وقد يكون الورد علامة تأكيد لهذا السِّر، فردّت عليه بارتباك مماثل: (يجوز).

ورغم أنّ هذا اللقاء كان الوحيد بينهما، إلَّا أنَّ قصَّة الحبّ هذه قد تكون حصلت من طرف واحد حيث قال محمود درويش لصديقه الشَّاعر سميح القاسم: لقد اتَّصلت بها بعد فترة طويلة من هذا اللقاء وذكرتها بالورد وبالكتاب الذي كنت قد أرسلته هديَّة لها، ولكنَّها أجابتني معتذرة بأنها لم تنتبه بسبب عوامل النِّسيان فقلت لها: قد يكون النِّسيان هو تدريب الخيال على احترام الواقع، فقالت: إن لا ذنب لها في ذلك ولكنَّني، لم أشفَ ممَّا حصل بل أصبحتُ أكثر إدمانًا على سماع أغنياتها وخاصة أغنية (إلا إنتَ)

رابط الأغنية: 



أشعر بأنَّها تغنَّيها لي وليس لأحدٍ غيري، وهذا خيال ألجأ إليه رغم تناقضه الكبير مع الواقع والظُّروف. وهنا سأله الشَّاعر سميح القاسم: ألم تكتب لها شعرًا، فأجاب: لقد أدركت متأخِّرًا بأنَّني قد أكون عشت تجربة الحبّ من طرف واحد وهذه التَّجربة حضرت في الكثير من قصائدي وانطلاقًا من حبي لها وللغناء، وأنت كما تعلم بأنَّ علاقتي بالشِّعر بدأت أساسًا عن طريق علاقتي بغناء الفلَّاحين في بلادنا، ومنذ أن عرفت صوتها وعيناها أصبحت أكثر رومانسيَّة في الشَّعر والغناء، وهنا أتذكر بضع أبيات من قصيدة غزل، حيث أقول:

سألتك: هزِّي بأجمل كفّ على الأرض/ غصن الزَّمان/ لتسقط أوراق ماض/ ويولد في لمحة توأمان/ ملاك وشاعر/ ونعرف كيف يعود الزَّمان لهيبًا/ إذا اعترف العاشقان/ إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي/ أنا عجبًا كيف تشكو الرياح/ بقائي لديك؟ وأنتِ/ خلود النبَّيذ في صوتي/ وطعم الأساطير والأرض أنتِ/ لماذا يسافر نجم على برتقالة ويشرب... يشرب حتى الثمالة…

وقد بقيَ لصوتها تأثير شعريّ في البناء والإيقاع والخيال، وبقيت هذه العلاقة كجرح من طرف واحد لم تأخذ نصيبها في الواقع بل سكنت دون انتباه في أسطورة الغياب رغم بقاء صوتها الذي يشبه النرَّجس والزَّنبق الأبيض في داخلي يضيء الذَّاكرة والأحلام، على الرَّغم من اكتشافي المتأخِّر بأنَّ الورود التي أرسلتها لم تكن سوى مجرد رسالة حنين من لا أحد إلى لا أحد.

أنوِّه أنَّ ما جاء أعلاه عن علاقة محمود درويش بنجاة الصغيرة، منقول عن مقال للكاتب حمزة البشتاوي، بعنوان: "محمود درويش ونجاة الصغيرة الحنين من طرف واحد"، نشره في مجلَّة "البناء" في 9-11-2021.

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية