كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

"في الباشي* من تالي..."



#زينب_هداجي نشأت في بيت في قلب مدينة مدنين. وكانت شاحنات نقل البضائع،التي كانت أحينا تنقل الأشخاص، تتوقف قرب بيتنا الذي يقع على تخوم السوق. كانت فكرة تسلق أحد تلك الشاحنات تراوني دائما. كانت بمثابة الحلم السحري حيث أرى أنني أسافر إلى مكان بعيد حيث أجد جبالا من الحلوى والشكلاطة والأطفال السّعداء الذين يلعبون ويعيشون بلا آباء وأمهات. ولكن صوت صراخ أمي وهي تحذرني دائما من فعل ذلك وتصف حجم الكارثة التي ستحل بي لو أنني فعلا تسلقت تلك الشاحنة وغادرت بي إلى حيث لا أدري أو أنني قفزت منها وفقدت حياتي. ثم تسرد قصة ابن الجيران الذي قفز من إحدى الشاحنات وجرته في المعبد إلى تشوه وجهه. فيلم الرّعب هذا منعني دائما من المحاولة. كانت الفرصة الوحيدة لتحقيق هذا الحلم هو الانخراط في مراسم الأعراس في القرية في مدينة الحامة حيث بيت جدي. كانت طقس حمل "الكسوة" إلى بيت العروس هو المجال الوحدي لأصعد إلى تلك الشاحانات التي كانت تحمل الناس والهدايا إلى بيت العروس. حيث تصعد الفرقة الموسيقية في شاحنة لوحدها وببقية الجمع في شاحنات أخرى. يرقص الناس على ظهر تلك الشاحنات وتزغرد النسوة... كنت أجلس بينهم صامتة مستمتعة ببساط علاء الدين السحري هذا ومكتفية باكتشاف البيوت التي لا اعرفها خاصة إذا كانت العروس لا تنتمي إلى عرشنا فالمتعة ستكون أكبر: بيوت جديدة... وجوه جديدة... طرقات جديدة... وصوت صراخ أمي يغيب يضمحل في ظل ارتفاع صوت الغناء وسحب البخور التي كانت تجعل من العملية طقسا صوفيا بامتياز. هذه "الباشي" ذلك المسرح السعيد الذي ظل يسكن ذاكرتي إلى الآن. سيارة صارت جزء من تفاصيل حياتنا اليومية وعنصرا مهما في كسب لقمة العيش عند الكثير من العائلات في المناطق الداخلية. كلنا يذكر حادثة موت العاملات الفلاحيات مؤخرا في سيدي بوزيد... بعد تلك الحادثة فقط لم أعد أرى سيارة"الباشي" مسرحا ملونا يعج بالرقص والغناء بل آلة للموت كما تقول أمي... ------------------ * 404 شاحنة من اصدار شركة بيجو سنة 1967 الصورة: في سيارة الباشي عند التنقل من قصر الحلوف إلى بني خداش،

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية