كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

عدنية شبلي وكتابة فلسطين من الداخل



ترجمة حيدرة أسعد

منصة تكوين

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 ينبع التميُّز في أسلوب عدنية شبلي الخاصّ في وقوفها دون الإفصاح. يخلقُ الصمت في روايتيها «مساس» و«كلّنا بعيد بذات المقدار عن الحب» تشويقاً يثير الأعصاب، في مواجهة المشهد الفلسطينيّ الجميل والمضطرب. ومن خلال الحياة اليوميَّة ينفجرُ لديها العالم بعنفٍ.

رواية «كلّنا بعيد بذات المقدار عن الحب» عبارة عن قصَّة حبٍّ وتراجيديا في آن. الغموض الذي يكتنف الرواية نراه في المراوغة التي صُوِّرت بها؛ تماماً كما في «مساس» حيث الديناميكيات الأسريّة لا تقل إشكاليَّةً وإثارةً للاهتمام عن مجزرة صبرا وشاتيلا التي تخيّم على كلّ شيء. يتماوج العنف في أعمال عدنية دون الانغماس في العاطفيَّة.

هذا الإحكامُ حاضر أيضاً في قصتها القصيرة المدرجة في عدد العائلة من مجلَّة فريمان. تعرض القصّة تفاصيل الحادثة حين تلقت عدنية وعائلتها مكالمة هاتفية غريبة من الجيش الإسرائيلي: كانت رسالة لإخلاء المبنى الذي يقطنون فيه لأنه على وشك أن يُقصف. في ثلاث صفحات مختصرة تظهر كتابة عدنية على نحو بالغ الاستعجال، دون إغفال الشعرية الكامنة في ما يجري. هذه هي عدنية شبلي: مُحكِمة ومحذِّرة، مؤثِّرة وهادئة وعميقة ومرحة وقويّة.

خوسيه غارسيا: هل كان قراراً واعياً منكِ بألا تكوني صريحة بشأن فلسطين في أعمالك؟ أرغبتِ في ترك القارئ يتماهى في الدراما بدلاً من المشهد؟

عدنية شبلي: أودّ القول إن الروايتين كلتيهما منغسمتان جداً في المشهد الفلسطيني، بل إنّهما نتاج يديه. لعلّ ما يبدو غائباً هو النظرة الخارجيّة لفلسطين، التي تهيمن في ظلّ التغطية الإعلامية المستمرّة.

على سبيل المثال، يظهر الإعلام حدثاً كبيراً كمجزرة صبرا وشاتيلا للجمهور غير الفلسطيني وفقَ شكلٍ معيّن. أما في السياق الفلسطيني، فهذا الحدث تجري تجربتُه بطريقة مختلفة وبسبل مغايرة كثيرة؛ بما فيها عدم قدرة الأطفال على استيعابه، أو محاولة الوالدين إنقاذ ابنٍ من حدث كهذا، وهذا ما يفعله الآباء يوميّاً في فلسطين. تتتبّعُ «مساس» هذا الفعل الكبير والحاضر جداً في فلسطين؛ لكنها شكل من أشكال التجربة التي غالباً ما تغيب عن الأخبار التي تصل إلى خارج فلسطين. لذا يتعامل الكتاب مع صبرا وشاتيلا على أنها مجزرة لا يستوعبها طفل. لكنّ ذلك مجرّد طريقة واحدة لهذه التجربة، وهذا ينطبق على العديد من الأحداث الأخرى، السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية.

ثم في «كلّنا بعيد بذات المقدار عن الحب»، رسمَ المشهدُ الفلسطيني الرواية باعتبار الشخصيات غير قادرة على التحرُّك. لذلك، وبدلاً من وصف نقاط التفتيش وتقييد التنقُّل، تتقّفى الرواية عواقب هذه القيود المفروضة على الحركة. الشخصيات تُحتجَز في مساحات خانقة أو تكابد الشلل الجسديّ والعاطفيّ. وفيما يتعلّق بهذا الأخير -الشلل العاطفي- تصوّر الرواية عواقب قسوة العيش في حالة من القمع السياسيّ على المستوى الشخصيّ، حيث الروح البشريّة، بقدرتها على الحبّ، قد شُوِّهت. لذا، وبدلاً من إظهار التجربة الفلسطينة خارجيّاً، عبر تحويلها إلى مشهدٍ للآخرين، تلاحقُ الروايتان العواقب على حياة الفسطينيين اليومية، بما فيها من عاديّ ومتبذل.

خ. غ: كيف شكّل الوطن والأمّة تجربتك كطفلة؟

ع. ش: عندما يعيش المرء في مكانٍ يبدو أشبه بعقاب على جريمة لم يقترفها، تُثار أسئلة قاسية تتعلّق بأفكار بسيطة، كالعدالة أو غيابها، منذ سن باكرة. كطفل، ليس بوسعكَ أن تميّزَ حقاً بين الاثنين، بين الظلم والسبب الذي يجعل بعض الناس أوفر حظّاً من غيرهم.

كانت هذه هي الأسئلة التي حاولتُ مواجهتها بطرق مختلفة في سن باكرة؛ إمّا أن تعارضها بصوت عالٍ، أو أن تكون في صفّ الأقوى، أو أن تخلق عالمك الخاص حيث بمقدورك تخيُّل حقائق مختلقة – وكانت هذه هي الطريقة أكثر ما جذبني مراراً. سواء من خلال القراءة أو المشاهدة الصامتة لما أعاينه، قلبتُ الأحداث قليلاً، وتخيّلت عوالم أخرى ممكنة. كانت لعبة تسبِّب الإدمان، وأتذكر نفسي منغمسةً في التخيُّل لدرجة أنني أشعر أحياناً بالخجل لعدم تذكّري الماضي كما الآخرين من حولي. لذا ربما كان إدراك الظلم المتكرر الذي لا مفرَّ منه في السياق الفلسطينيّ هو القوّة الأولى التي دفعتني باكراً نحو الأدب.

خ. غ: الروايتان حافلتان بمجموعة واسعة من الشخصيات النسائية القوية. لا أعني بالقوة الاستقلال فحسب. لكنهنّ أيضاً شخصيات صاخبة ومعقدة وذات عيوب أحياناً. يبرزن من الصفحات بشخصياتهنّ وعيوبهنّ. ما مدى أهمية الأنوثة، والشخصيات النسائيّة، في كتاباتك؟

ع. ش: للصراحة، لا أفكّر بالمذكّر والمؤنث. أودّ القول إنني لا أتعامل مع نفسي كأنثى؛ هذا مجرّد منظور للحياة. قد يكون بمحض المصادفة أنّ أعمالي تحتوي العديد من الشخصيات النسائية. وقد يتغيّر هذا أو لا.

في روايتي الجديدة، المكونة من فصلين، كل فصل يحتوي بطل، ذكر في أحدهما، وأنثى في الآخر. لكنّك محقّ، عندما كتبتُ الفصل الأول ببطله الذكر، كنتُ مدركة تماماً أنه ذكر، لأنه عالمٌ من النظام والقوّة – عالم لا أرغب في أن أكون جزءاً منه. من الممتع تجريب هذا الأمر، ولو بالتخيُّل، لكنه ليس فاتناً جداً. الشخصية الأنثوية أكثر تردُّداً وفوضويَّة، إنَّها تتلعثم وتتصرّف عبثاً. أنجذب أكثر لمثل هذه الشخصيات، كالشخصية المذكّرة في فيلم «بيل د جور» لبونويل؛ الذكر الذي يمتلك ندبة قبيحة في وجهه.

لا أربطُ الأنوثة بالجنس. الأنوثة بالنسبة لي تتعلّق بمعارضة السلطة والنظام بطريقة ساديّة.

خ. غ: هناك الكثير من الصمت في قصصكِ. الكثير من الغموض والحميميّة الهادئة أيضاً. كيف توازنين بين هذا الصمت الكثيف وبين الحدث؟

ع. ش: يمكن العثور على الإجابة في الموسيقى. حين أسمع الموسيقى، أدركُ أن الحركات والأفعال الموسيقيّة برمتها لا يمكن أن تكون ممكنة إلا بسبب الصمت الذي يتخلل القطعة الموسيقية. أنا مولعة بهذا الصمت، وبما يفعله، أو بما يمكن أن يفعله قبيل صدور الصوت، أو حتّى بما يؤدّي إليه.

خ. غ: كلا الكتابين يقومان على فكرة العائلة أيضاً. ما دور العائلة في عملية الكتابة لديكِ؟

ع. ش: نولد في عائلات، دون أن نختارها، وهذه هي التجربة الأولى للكثيرين منا. إنَّ الافتقار إلى الاختيار هو ما يدفعني إلى التساؤل: كيف تعيش حياة لم تخترها، وهل كنتَ ستختار بوعيٍ في نهاية المطاف. ما زلتُ أتساءلُ في الحقيقة.

خ. غ: هذا يقودني إلى قصتك القصيرة في عدد مجلة فريمان: العائلة. ما الذي ألهمكِ لتناول موضوع شاسعٍ كهذا (الأسرة) عبر تلك القصة؟

ع. ش: كانت تلك هي اللحظة التي أدركتُ فيها لأوّل مرة أنني أفرضُ هذا الافتقار إلى الاختيار على أشخاص آخرين، على أطفالي. أنا وأبوهم اتخذنا قرار أن نكون معاً، وليس هم. لذلك وجد أطفالي أنفسهم هناك، في تلك اللحظة المتفاقمة للغاية؛ «الاتصال الذي يجريه الجيش الإسرائيلي عندما يكون على وشك أن يقصف مبنى سكني. وفي اللحظة التي يجيب فيها أحدهم على الاتصال، يتنازل تماماً عن حقه في اتهام الجيش بارتكاب جرائم الحرب». كان ذلك إدراكاً مدفوعاً بالخوف: الخوف على سلامتهم. ما زلتُ حتى هذا اليوم أتساءلُ كيف سيشيرون إلى تلك اللحظة، وعما إذا كانوا يتذكرونها. النصّ الذي ظهر في فريمان بمثابة شهادة لهم كي يعودوا إليها، بمثابة دليل على ما حدث لأطفالي وبإمكانهم استرجاعه.

خ. غ: أزعم أن تلك المكالمة كانت حارقة للأعصاب. وعلى أية حال، كوني قادماً من بلدٍ مليء بالعنف ولا يمكن التنبؤ بما يجري فيه، فأنا أعي أن المرء يميل أيضاً إلى فقدان الحساسيّة والتعوُّد على العنف. ماذا يمكننا أن نفعل لمواجهة هذا "التعوُّد"؟

ع. ش: هل يمكننا أن نفعل أي شيء لمواجهته؟ هذا موضع تساؤل لديّ.

أجدُ دائماً مكاناً من كلمات كي أخلقَ إمكانياتٍ موازيةٍ حين يزدهر التجريد من الإنسانيَّة. ومع ذلك، في الحياة الواقعية، تحتاج إلى أن تحيّدَ كل مشاعرك وتصبح مخدّراً، ثم تأتي الكتابة وتحيّد هذا التحييد. لا يملك الآخرون كلماتٍ تنقذهم. لكن أشياء من قبيل: نزهة، رصيف، شجرة، حجرة، أشياء صغيرة لا نهاية لها من شأنها أن تتحوّل إلى مكان يمارسون فيه إنسانيتهم، مكان لا يصله القمع أو يدمّره.

زرتُ معرضاً هذا العام في فلسطين، يدعى معرض المدينة 5. خُصّص لفكرة "إعادة إعمار غزة"، وهو مصطلح نسمعه يومياً منذ 2014. أعاد المشاركون، من طلاب وشباب، إعمار المدينة وفق طابعها الخاص. ثمّ قدموا الأشياء الثمينة بالنسبة لهم إلى أهل غزة، أشياء مثل زهرة يابسة أو سلسلة مفاتيح. كان رؤية ما اختاره هؤلاء الأشخاص أمراً ساحراً. حتى أن أحدهم عرض تقديم المساعدة لأهالي غزة من خلال تقديم ديوان شعر لشاعر غير معروف.

خ. غ: هل ترين "التعوّد" على العنف آليةً دفاعيّة؟

ع. ش: أراها، حقيقة، حركة من حركات الفنون القتاليّة. يريد القامع بالدرجة الأولى أن يدمر رغبتك في الحياة، ثم تقوم أنتَ بتحييد ذلك عبر التصرّف كما لو أنه أمر طبيعي. وبعدها، تحتفظ بمنطقة سريّة خفيّة يجدها القامع تافهة جداً لدرجة أنه لا يكلّف نفسه عناء تدميرها. أتذكّر أن المخابرات الإسرائيلية حققت معي مرتين لأنهم أرادوا معرفة ما كنتُ أكتبه وعمّا. حين أخبرتهم أنها لا شيء سوى قصص حب فاشلة فقدوا الاهتمام بشأني.

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية