تحسين الخطيب
في شعر أمجد ناصر وجع شفيف، وقدرة هائلة على إبقاء هذا الوجع مختلطًا بطبقة هشّة من الصّمت؛ هي قدرة الوحشيّ على التذكّر بعينين مفتوحتين على اتّساع حنينهما، ومكر الصّقر الذي يرقب المشهد من أعلى نقطة فيه. ليس في شعره مطارح كثيرة للموت، وإنّما حياة تفزّ عن حائطه المرفوع بالفأس الذي هو بين يديها: لها ما له من حرائق، وما لجراره من عزلة. وليست العزلة، عنده، عزلة الفائض عن الحاجة، ولا عزلة المكتظّ بسواه، بل شهوة الذئب المتحفّز الذي يجوس الأطراف، خلسة، في عزّ الليل. عزلة الذي هو بينهم وليس منهم؛ عزلة الوحيد الذي ليس وحيدًا، والغريب الذي لا يرى أقلّ إلاّ في ابتعاده عن نفسه. عزلة المتخيَّل الذي يكتمل بها. عزلة بـ "عشر أصابع. ترفع عشرة نايات". عزلة راع لا تضلّه علامتها الأقرب إليه من حبل الوريد، ولكّنها لا بدّ، دون ذلك، أن تشقيه. تلك العلامة التي ما زال يطاردها "بالفتيلة والسّراج"، ولا تشبه إلاّ ضدّها ( "فبراكين الشّبيه لا تكفي لتقدير الوطأة")، ولا تخرج من ذلك الضدّ إلاّ لكي تدخل، ثانيةً، فيه. تلك العلامة التي فتّش عنها بقميص "مبتّل عند الإبطين وناشف في الرّيح". قميص مشجّر، مضاء بالتوجّس والبروق قاده إلى ندائها: "لا تلتمسني في المِثْل" . . "فكلّ من هو مثلي ليس أنا، وكلّ من يشبهني هو غيري". العلامة التي "قاده ضوء بارد" إليها، وإلى "طيران بلا أجنحة" في أرض ضيّقة مكّنت "سمكة باكونين" أن تصعد في "حقل من أجراس الفلفل" وتنصت إلى "صنوج تدّق في بادية بعيدة"، وإلى "تحطّم صوار في خلجان مفترضة".
ثمّ إنّ ذلك الوجع، وتلك العزلة، لا يمنحان القصيدة سرّ توهجّها، فحسب، بل مفتاح الولوج إليها، كذلك:
"دع الحنين يربّي خرافه في الظلّ
واخلع عنك سترة ناظري السّفوح،
فأنت هنا
لا ياسمين لتؤجّج شهوة الباعثات مناديلهن بيد الصّفير
ولا حبق لموكب العائدين من جبهة النّدى.
أنت هنا
وأنا ضيف على مائدة الحيرة"
ولا تكاد قشرة الصّمت― لشدّة الإيقاع وتقطّعه― أن تنكسر، إلاّ لتنغلق على نفسها من جديد:
"ذات يوم سيأتي من يقول:
عاش حيث الألم يربّي أحفاده
وحيث الكتمان يحرّر جواريه
وحيدًا كإبرة خياطة،
طويلاً كحيرة"
هي وحدة الإبرة إذن، وحيرة من عاش بجوار ألم لا يحرّره الكتمان إلاّ بمقدار ما يتحرّر من سطوة الإقامة في الوضوح، وينفض "الغبار الأبيض عن حجر النّوم"
"كان ينحني ويتداخل في القنوط
وفي التّناقض.
كان يطلق صرخة
كنخلة مالت في وحدتها العالية،
وهوتْ"
وحدة عالية، تحمل وشم سلالتها، وهي تخوّض في "نهر من الأجراس"، مثقلة بـ "الأبواق والقراطيس"، و"يضرب الغرباء في مدخلها أعمارهم على الآلة الكاتبة". وحدة العاشق في معراجه إلى اسم ذكراها ورعشة يديها:
"نعود إلى يديكِ لنروي اطّلاعهما على الحطام
وغلبتهما على الحبّ
الذي تلمسين جرحه فيندّ
جرح
الحبّ
الطويل
بظلال
خضراء
من
فرط
النّدم"
إنّها الوحدة التي تسقط من "المشجب إلى درج الخزانة" الذي هو القلب.
ثمّ إنّ في شعره قدرة أخرى على استحضار صور قصيّة من تلافيف الذاكرة. صور لا "تُفتَقد" في الصّور، ولا يغريها "حطام" الوصف قطّ. صور الذي ينتشي بذكرى وجوه ظلّت "قويّة" و"مشدودة على رخام حيّ". صور أشياء غادرها، لكنّها ظلّت متوهّجة، ولا يمكن لـ "أيّ" عابر أن "يقع فريسة لسحرها الغامض". أشياء ظلّت "تخترق ]روحه[ كالعصافير"، وتسحبه من أطراف أصابعه "إلى حرير الليالي الباردة":
"كان جلعاد يدنو من السهل
يدنو من العشب.
إنّ السماء (وننظرُ)
تلامس ليّنة رأسه المرتفع
فيهجس مؤتلقًا بالأسى".

0 تعليقات