كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

محمد خضير... تأطير ثمانينيّ:



خضعت دراسة "جاسم الفضل" الفنّية (معهد الفنون الجميلة ببغداد ١٩٧٧) لتأثيرات من مدرسة الثمانينات الواقعية، وأطّرت مقتبلَ حياته (١٩٥٥_ ٢٠٢٢) وجوهُ الواقع بوشاح أسود من النظرات واللمحات الشعبية. كان عام التخرج يؤذن بنهاية حقبة تاريخية من الانفتاح الفنّي والاجتماعي والدخول في حقبة الحرب والدكتاتورية العسكرية. وضاعفت تأثيراتُ تلك الحقبة من ضيق الإطار وحشر وجوه الفنّان في قتامة المصير الفردي والجماعي للبلاد. كانت النظرات الجانبية تعبّر بشكل صريح عن الفزع الدفين. وكان جمالها، أو مسخها، يشكّل تقابلات وضعٍ ستُطحَن بداخله أجيالٌ غضة_ ثلاثة أجيال في الأقل من مواليد الخليج_ وتخضع أطُرُها الفنية لرؤى الموت والدمار الشامل.

ليست هذه المؤثرات بهيّنة على نفس رهيفة، تحمل داخل إطارها إرثاً من الرقّة والحنان العائلي. وفي لوحة واحدة رسمَها "الفضل" قبل وفاته (حوالي العام ٢٠١٨، قياس ٤٥×٦٠سم) تجسّم وضعاً عائلياً لامرأة تحتضن مسخاً مجنّحاً، مجهول الهوية_ لعلّه مسخ الحرب_ نستقبل دلالةً كافية على تفكك الرابط الإنساني بين الأجيال الحاضرة وماضيها الأمومي. دخلت هذه اللوحة معرض الفنّانين الثمانيّين (بغداد، ايلول ٢٠٢٣) لتضغط النظرات الجانبية كلَّها_ ما سُفِح منها وما لم يُسفح_ في نظرة واحدة. أمّا ما تبقّى من لوحات "الفضل" المشاركة في المعرض، فليست سوى انزياحات لتلك النظرة الأموميّة المضغوطة من فترة الحرب: لهفة، احتضان، نغم، وحشة لون مسفوح من النظرات... هذا ما تبقى من إرث الواقعية الأكاديمية المقطوع بقسوة ولامبالاة.

ما الذي تنفعه الأطُر المتداخلة في حصر خلفيّات العائلة وميراثها الفني_ الفطري: بيوت، اثاث، تذكارات حائطية متناثرة؟ ما نفع تأثيرات البيئة المضافة على مشهد صريح النظرات، مركّز المنظور، بلا أبعاد خادعة؟ وهل ينفع إطارٌ خلف إطار خلف إطار، بما لا يحصيه العدد من نوازع الروح، لصدّ تلك النظرات الشفّافة_ الواخِزة؟

إنّ الضمير الفني والأخلاقي ليقف إجلالاً واتضاعاً إزاء النظرة المتعالية على أسوار الثمانين. إن عاراً مسفوحاً يُغرِق ممرّات الفن الأكاديمي_ واسترجاعاته المدرسية المحدودة. إنّ وخزاً يؤلم الإطارَ الاجتماعي_ الاحتفاليّ لوضع عائليّ_ أموميّ تقطّعت أوصاله وتفرّقت عُراه الضامّة كياناتِه الطفليّة. ولعلّ المُشاهِد الاتفاقيّ لأعمال المعرض الرئيسة_ وارتداداتها الفرعية كذلك_ سيفهم مآلَ الإرث الواقعي_ ما قبل السبعينيّ في مدرسة بغداد الفنية. إنّه مآلنا أيضاً، إطارنا المرجعي المحدِّد لافضل تعبيراتنا المشخَّصة والمجرَّدة في آن واحد، كما قد يفهمها مشاهدٌ قصديّ آخر واسع الإطلاع. سنتذكّر نظرات شخوص "جاسم الفضل" التي أتعبها الانتظار خلف بابٍ في عقد أو دار أو مدرسة... وإنَّ لفي هذا الإرث ليقظة من كابوس طويل، ومصارحةً بعد جفوة وانتظار!

إرسال تعليق

0 تعليقات

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية